الإحصاء السنوي للموظفين وتعزيز الانضباط الوظيفي: قراءة تحليلية في مذكرة وزارة التربية الوطنية المغربية لسنة 2025

مقدمة

يتجدد اهتمام وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة كل سنة بضرورة ضبط وضعية الموظفات والموظفين التابعين لها، سواء على مستوى الوضعيات الإدارية أو على مستوى الحضور الفعلي في مقرات العمل. ويأتي هذا في إطار حرص الوزارة على إرساء حكامة فعّالة للموارد البشرية وضمان التدبير الأمثل للكفاءات، بما يخدم جودة الخدمات التربوية والاجتماعية التي تقدمها المؤسسات التعليمية والإدارات المركزية والجهوية والإقليمية.

وفي هذا السياق، صدرت مذكرة تنظيمية موجّهة إلى السادة المفتشين العامين، والمديرات والمديرين العامين، ومديرات ومديري الإدارة المركزية، تحمل موضوع: إحصاء الموظفات والموظفين للفترة الممتدة من فاتح يناير 2025 إلى 31 دجنبر 2025. وترتكز هذه المذكرة على منشور سابق لرئيس الحكومة يتعلق بضبط حالات التغيب غير المشروع عن العمل، وتفعيل الآليات الإدارية والتنظيمية للحد من الاختلالات التي يمكن أن تمس السير العادي للمرفق العمومي.

تهدف هذه المقالة إلى تقديم تحليل شامل لمضامين المذكرة، وشرح الإجراءات العملية الواردة فيها، وتبيان أبعادها الإدارية والتربوية، إضافة إلى إبراز أهميتها في تحسين أداء الموارد البشرية داخل القطاع.

أولًا: خلفية إصدار المذكرة وأهدافها التنظيمية

تشير المذكرة، استنادًا إلى منشور رئيس الحكومة، إلى أن تدبير الموارد البشرية يتطلب دقة وصرامة في متابعة وضعية الموظفين. فالمرفق العمومي، وخاصة في قطاع التربية الوطنية، يحتاج إلى استمرارية في العمل وانتظام في الأداء، خصوصًا وأن المؤسسات التعليمية تعتمد في اشتغالها اليومي على حضور المدرسين والإداريين والأطر التربوية بمختلف أصنافها.

1. تعزيز الشفافية في تدبير الموارد البشرية

الإحصاء السنوي هو آلية ضرورية لتحديث قاعدة البيانات المتعلقة بالموظفين، ومعرفة وضعياتهم الإدارية بدقة. وتسعى الوزارة من خلال ذلك إلى ضمان التطابق بين الواقع الفعلي للموظف، وبين المعطيات المسجلة في النظام المعلوماتي (ESISE RefRH).

2. الحد من ظاهرة التغيب غير المشروع

تؤكد المذكرة على ضرورة مواجهة التغيب غير المبرّر، الذي يؤثر سلبًا على السير العادي للمرفق التربوي، ويمس مباشرة بجودة الخدمات المقدمة للتلاميذ، خصوصًا في المدارس العمومية.

3. تقييم الأداء على أسس موضوعية

يمكّن الإحصاء الدقيق من مراقبة المؤشرات المرتبطة بالموظفين، سواء تعلق الأمر بالمواظبة أو الالتزام أو التنقلات أو المهام الفعلية، مما يساهم في اتخاذ قرارات إدارية مبنية على معطيات حقيقية.

ثانيًا: أهم المعطيات الإدارية المطلوبة في الإحصاء

تحدد المذكرة مجموعة من الإجراءات العملية التي يجب على الإدارات الجهوية والإقليمية والمصالح المركزية الالتزام بها، ويشمل ذلك:

1. ضبط المعلومات على النظام المعلوماتي ESISE RefRH

تؤكد الوزارة على ضرورة:

  • ملء المعطيات الخاصة بالموظفين بشكل دقيق،

  • إدراج الوضعيات الإدارية الحقيقية لكل موظف،

  • التأكد من صحة البيانات المرتبطة بالحركية، الإجازات، التقاعد، أو أي وضعية تغيير في المسار المهني.

هذه المعطيات تسمح بتكوين قاعدة بيانات موحدة وموثوقة على الصعيد الوطني.

2. تحديث الوضعيات الإدارية

تطلب المذكرة تحديد الوضعيات التالية:

  • الإلحاق،

  • رخص المرض،

  • الاستيداع،

  • فترات التدريب،

  • وضعية الإعارة،

  • المشاركة في تكوين مهني،

  • رخص الولادة،

  • الانتداب،

  • المهام المؤقتة،

  • وغيرها من الوضعيات الواردة في الجداول التنظيمية.

3. إدراج الموظفين الجدد أو المدمجين

تشير المذكرة إلى ضرورة إضافة:

  • الموظفين الجدد الملتحقين بالوزارة،

  • المدمجين بعد فترة تدريب،

  • المتدربين الذين أصبحوا رسميين.

4. مطابقة المعلومات مع اللوائح النهائية

تُلزم المذكرة الإدارات بالتحقق من صحة المعلومات وعدم ترك أي أخطاء أو فجوات قد تجعل الإحصاء غير دقيق.

ثالثًا: إعداد اللوائح النهائية للموظفين

تخصص وزارة التربية الوطنية جزءًا مهمًا من المذكرة لإعداد اللوائح النهائية، وهي مرحلة أساسية لضبط عدد الموظفين، ومعرفة وضعياتهم وتوزيعهم المكاني والوظيفي.

تشمل العملية:

1. استخراج اللوائح من النظام المعلوماتي

على الإدارات تحميل اللوائح النهائية من النظام الإلكتروني ESISE RefRH في صيغة Excel.

2. المصادقة الإدارية

بعد الاستخراج، يجب:

  • توقيع اللوائح،

  • المصادقة عليها من طرف الرؤساء،

  • إرسالها عبر البريد الإلكتروني إلى مديرية الموارد البشرية.

3. إعداد جدول إحصائي تفصيلي

يتضمن هذا الجدول:

  • مجموع الموظفين،

  • تصنيفهم حسب الإطار،

  • حسب المؤسسة أو المديرية،

  • حسب الوضعيات الإدارية،

  • مع إدراج اللوائح في صيغ Excel و PDF.

4. احترام الآجال

حددت المذكرة أجل 2 يناير 2026 كآخر موعد للتوصل باللوائح النهائية.

رابعًا: تعزيز مراقبة التغيب غير المشروع عن العمل

تتضمن المذكرة جزءًا مهمًا يخص الغياب غير المبرّر، وتحث على اتباع إجراءات صارمة للحد منه، ومنها:

1. مراقبة يومية للحضور

وذلك عبر:

  • تتبع الموظفين عند الدخول والخروج،

  • اعتماد السجلات الرسمية للحضور،

  • استعمال النظام الإلكتروني لتسجيل الزمن الإداري.

2. إشعار المصالح المختصة فورًا

إذا تبين أن موظفًا تغيب بدون مبرر، يجب إشعار قسم الموارد البشرية فورًا لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

3. الاقتطاع من الأجر

تنص المذكرة على اعتماد الاقتطاع من أجور الموظفين المتغيبين كما ينص عليه القانون:

  • اقتطاع 1/30 من الأجرة الشهرية،

  • أو 1/60 في حالات معينة.

4. إحالة الحالات المتكررة على المجلس التأديبي

تعتبر المذكرة أن التغيب المتكرر سلوك يخل بالواجبات المهنية، ما قد يؤدي إلى:

  • توجيه إنذار،

  • توبيخ،

  • أو إحالة على المجلس التأديبي في حالات خطيرة.

5. تطبيق المقتضيات القانونية

خاصة تلك المتعلقة بالفصل 75 مكرر من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، الذي ينظم كيفية التعامل مع الغياب غير المبرّر.

خامسًا: أهمية المذكرة بالنسبة للقطاع التربوي

لا تتوقف أهمية هذه المذكرة عند حدود الجوانب الإدارية، بل تمتد لتشمل جوانب تربوية ومجتمعية مهمة:

1. ضمان استمرارية المرفق التربوي

الحضور المنتظم للموظفين، وخاصة المدرسين، عنصر أساسي لضمان استمرارية الدروس وعدم اضطراب الزمن المدرسي.

2. تحسين جودة الخدمات التعليمية

فأي غياب غير مبرّر يؤدي إلى:

  • إرباك السير الدراسي،

  • تضييع حصص مهمة للتلاميذ،

  • التأثير على جودة التعلمات.

3. تخفيف العبء الإداري

حين تكون قاعدة البيانات محدثة ودقيقة، يصبح تدبير الموارد البشرية أسهل وأكثر فعالية.

4. دعم التخطيط التربوي

من خلال الإحصاء الدقيق للموظفين، يصبح بالإمكان:

  • تحديد الخصاص،

  • توزيع الموارد بشكل عادل،

  • تعزيز الكفاءات في المناطق ذات الحاجة.

5. محاربة الهدر الإداري

تساعد عملية المراقبة المستمرة في الحد من:

  • الغياب المتكرر،

  • الاستفادة غير القانونية من الوضعيات الإدارية،

  • التلاعب بالتصاريح.

سادسًا: أهمية النظام المعلوماتي ESISE RefRH

تؤكد المذكرة بشكل كبير على اعتماد النظام المعلوماتي كمرجع أساسي لتدبير الموارد البشرية، لما يوفره من:

1. دقة في إدخال المعطيات

المنصة تتيح تتبع مسار الموظف من تاريخ تعيينه إلى غاية خروجه من المنظومة.

2. سهولة استخراج التقارير

للقيام بعمليات التخطيط التربوي والإحصاء السنوي.

3. تعزيز الشفافية

حيث تصبح كل وضعية إدارية موثقة، ومسجلة إلكترونيًا، ومحفوظة في قاعدة بيانات مركزية.

4. الربط بين مختلف المصالح

تمكن المنصة من التنسيق بين:

  • المديريات الإقليمية،

  • الأكاديميات الجهوية،

  • المصالح المركزية،

  • الإدارات الحكومية الأخرى.

سابعًا: التحديات المحتملة في تنفيذ المذكرة

رغم وضوح المذكرة ومضمونها التنظيمي، فقد تواجه بعض التحديات، مثل:

1. بطء تحديث المعطيات

قد تتأخر بعض المصالح في تحيين الوضعيات الإدارية.

2. ضعف التكوين على النظام المعلوماتي

ليس كل الموظفين متمكنين من التعامل مع المنصة.

3. الضغط الزمني

يحتاج الإحصاء إلى وقت وجهد، خاصة في المديريات التي تضم عددًا كبيرًا من الموظفين.

4. التوثيق الورقي

الاعتماد على توقيع ومصادقة الوثائق قد يخلق بعض التأخر، رغم اعتماد النسخ الإلكترونية.

خاتمة

إن مذكرة وزارة التربية الوطنية المتعلقة بإحصاء الموظفات والموظفين لسنة 2025 تشكل خطوة مهمة نحو تحديث تدبير الموارد البشرية داخل القطاع، وتعزيز الحكامة الجيدة، وضمان الشفافية والصرامة في تتبع الوضعيات الإدارية والحضور الفعلي. وتنسجم هذه الإجراءات مع التوجهات العامة للدولة الرامية إلى تطوير الإدارة العمومية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

ومن شأن الالتزام التام بتنفيذ ما جاء في المذكرة أن يساهم في:

  • رفع مردودية الموارد البشرية،

  • الحد من التغيب غير المشروع،

  • دعم الاستقرار المهني داخل المؤسسات التعليمية،

  • تحسين الزمن المدرسي وجودة التعلمات.

وبذلك، فإن هذه المذكرة ليست مجرد وثيقة إدارية، بل هي جزء من رؤية شاملة لتجويد المنظومة التعليمية، وضمان حسن سيرها، وتحقيق الأهداف المسطرة في إطار الإصلاح التربوي الشامل.

لمعاينة البلاغ كاملا يمكنك تحميل الملف أسفله: