الاختبارات الشفوية لمباريات ولوج سلك تأهيل أطر التدريس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين
مقدمة
تُعد مباريات ولوج سلك تأهيل أطر التدريس بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين من المحطات الأساسية التي تُحدد مسار آلاف المترشحات والمترشحين الطامحين إلى الالتحاق بمهنة التعليم. ومع التطور المستمر لمنظومة التربية والتكوين، أصبحت هذه المباريات تعتمد مقاربات حديثة في الانتقاء والتقويم، تجمع بين الاختبارات الكتابية والشفوية، بهدف قياس الكفايات المهنية والبسيكولوجية والتواصلية التي تتطلبها مهنة التدريس في سياقاتها المتجددة.
ويشكّل الاختبار الشفوي محطة مركزية في هذا المسار، إذ يُمكّن اللجان من التعرف على قدرات المترشح(ة) بشكل مباشر، من خلال التفاعل، والتحليل، والقدرة على التعبير عن التصورات التربوية، إضافة إلى قياس الاستعداد الذهني والمعرفي والمهني.
وفي هذا المقال، نستعرض بشكل تحليلي شامل الإطار التنظيمي والبيداغوجي لهذه الاختبارات، استناداً إلى المعطيات الرسمية التي توضح كيفية تنظيم الامتحانات الشفوية، وتكوين اللجان، وآليات التقويم، إضافة إلى السقف الزمني لكل مرحلة.
أولاً: الإطار العام للاختبارات الشفوية
تشير الوثائق الرسمية إلى أن الاختبارات الشفوية تُنظَّم مباشرة بعد الإعلان عن لوائح الناجحين في الاختبارات الكتابية. ويتم تحديد المواعيد بدقة من قبل المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، مع إشعار المترشحين مسبقاً بضرورة الحضور قبل نصف ساعة على الأقل من الموعد المحدد، وذلك لضمان السير السلس للامتحانات.
وتجري الاختبارات خلال الفترة الممتدة بين 2 و11 دجنبر 2025، وهي فترة تُخصَّص لإجراء المقابلات الفردية، وتقييم الكفايات المهنية، وفق شبكة تقييم معتمدة تضمن الشفافية وتكافؤ الفرص.
ثانياً: أهداف الاختبارات الشفوية
تروم الاختبارات الشفوية إلى:
قياس مدى توفر المترشح على الاستعداد الأكاديمي والمعرفي في تخصصه أو في المجال التربوي.
تحليل القدرات التواصلية، سواء باللغة العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية بحسب الإطار.
فحص البيداغوجية المهنية ومدى قدرة المترشح على معالجة وضعيات تربوية تعكس واقعا مدرسيا.
تقييم التفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات في وضعيات ديداكتيكية وتربوية مختلفة.
استشراف قابلية التطور المهني للمرشحين داخل منظومة التربية والتكوين.
هذا النموذج من التقويم يستند إلى مقاربات حديثة تعتمد الكفايات بدل المعارف التقليدية، بما يضمن اختباراً دقيقاً للجاهزية المهنية.
ثالثاً: المراحل الزمنية للاختبار الشفوي
يمر المترشح عبر خمس مراحل أساسية:
1. قاعة الانتظار
يوجَّه المترشح إلى قاعة خاصة قبل بداية الامتحان بمدة لا تقل عن ثلاثين دقيقة، بغرض ضبط قائمة الحضور وتنظيم السير العام للجلسات.
2. اجتياز الرائز (ساعة واحدة)
يتم إخضاع المترشح لرائز معياري مخصص لقياس:
الجوانب النفسية والوجدانية
المهارات التواصلية
القدرات العقلية واللغوية
هذا الرائز يُعد خطوة حاسمة لأنه جزء من معيار التنقيط المعتمد لاحقاً.
3. تحضير الوضعية (ساعة واحدة)
يُسلم للمترشح موضوع أو وضعية بيداغوجية/ديداكتيكية تتعلق بمجال تخصصه، ويُطلب منه إعداد تصور لمعالجتها.
يشمل التحضير:
قراءة الوضعية
تحديد الإشكاليات
وضع خطة المعالجة
اختيار المفاهيم الأساسية والأدوات البيداغوجية
4. تقديم الوضعية (20 دقيقة)
يتولى المترشح تقديم تصوره أمام اللجنة، مع شرح الخطوات، والموارد المعتمدة، والأنشطة المقترحة، والمعايير التربوية التي بُني عليها التحليل.
5. مناقشة الوضعية (30 دقيقة، منها 5 دقائق لنتائج الرائز)
تتناول اللجنة مناقشة طرح المترشح، وتقييم:
انسجام التحليل
مقروئية اللغة
سلامة الخطاب التربوي
التعامل مع أسئلة اللجنة
القدرة على تبرير الاختيارات الديداكتيكية
مدى ملاءمة المقترحات للمناهج الحالية
وتخصص خمس دقائق لتقديم نتائج الرائز المهني الذي تم اجتيازه سابقاً.
رابعاً: لجان الاختبارات الشفوية
تُعد اللجان عنصرًا محوريًا في نجاح العملية الانتقائية، وتحدد الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين أعضاء اللجان بناءً على مجموعة ضوابط، منها الكفاءة والخبرة في التكوين والتدريس.
تشكيلة اللجان حسب التخصصات
تضم اللجان مكونين متخصصين من المراكز الجهوية، ومفتشين تربويين، مع إمكانية الاستعانة بأساتذة ذوي خبرة أو مؤطرين تربويين بحسب الحاجة.
أمثلة من التشكيلات:
1. مسلك تأهيل أساتذة التعليم الابتدائي
تتكون اللجنة من:
أستاذ مكوّن متخصص في علوم التربية أو الديداكتيك
أستاذ متخصص في التربية والتكوين أو اللغة الفرنسية
مفتش تربوي للتعليم الابتدائي
2. مسلك تأهيل أساتذة التعليم الثانوي (الإعدادي والثانوي التأهيلي)
تضم اللجنة:
أستاذ متخصص في مادة التخصص
أستاذ مكون في علوم التربية أو الديداكتيك
مفتش تربوي متخصص في المادة
خامساً: دور المنسقين الجهويين
يعيّن مدير الأكاديمية منسقين جهويين حسب المسالك التالية:
منسق مسلك التعليم الابتدائي
منسق مسلك التعليم الإعدادي
منسق مسلك التعليم الثانوي التأهيلي
وتكمن مسؤولياتهم في:
تتبع سير العمليات التربوية والتنظيمية
الإشراف على توحيد إجراءات التقويم
تتبع توزيع الوضعيات
ضمان احترام الزمن المحدد للاختبارات
تنسيق التواصل بين اللجان
سادساً: تدبير توزيع الاختبارات والوضعيات
تُوزّع الاختبارات وفق نظام رقمي يعتمد على منصة Sage Pro، مما يضمن الشفافية وتكافؤ فرص ولوج نفس نوع المهام لجميع المترشحين.
كما يتم تسليم الوضعيات الشفوية بطريقة مؤمنة، بحيث يتسلم كل مترشح ظرفاً مختوماً يحتوي وضعية واحدة فقط، ويتم احترام كامل الإجراءات التنظيمية.
سابعاً: اللقاءات التأطيرية لأعضاء اللجان
قبل بداية الاختبارات، يتم تنظيم لقاءات تأطيرية لفائدة أعضاء اللجان، بهدف:
توحيد منهجية عمل اللجان
ضبط معايير التنقيط
تقديم شروحات حول الرائز المهني
توضيح كيفية استخدام شبكات التقويم
وتنظم اللقاءات عادة قبل 25 نونبر 2025، مع تأطير إضافي للمراكز ما بين 27 نونبر و1 دجنبر.
ثامناً: السياق العام لعملية تقييم المترشحين
تنطلق عملية التقييم من روح المراسيم المنظمة للمباريات، التي حددت بوضوح دور الرائز المهني ودراسة الوضعية باعتبارهما جوهر الاختبار الشفوي.
ويعتمد التقويم على المعايير التالية:
القدرة على التحليل التربوي
التحكم في محتويات المناهج والبرامج
الاستعداد المهني والوجداني
استحضار الإطار القانوني والتنظيمي للمدرسة العمومية
جودة التواصل واللغة
التفكير البيداغوجي الإبداعي
تدبير الزمن الإدراكي والعرضي
تاسعاً: دراسة الوضعية في مسلك تأهيل أطر التدريس
يُعد هذا الاختبار محورياً ويستغرق:
ساعة واحدة لتحضير الوضعية
20 دقيقة لعرض المعالجة
30 دقيقة لمناقشة الاختيارات (منها 5 دقائق للرائز)
ويختلف معامل التنقيط وفق التخصص:
معامل 20 لجميع التخصصات
معامل 10 لتخصصات التربية البدنية والرياضة
عاشراً: أهمية الاختبار الشفوي في تكوين المدرّس
إن دمج الاختبار الشفوي في مباريات الولوج لمهن التربية يعكس التحول العميق الذي تعرفه المنظومة التربوية بالمغرب، والذي يرتكز على:
1. اعتماد الكفايات بدل المعارف
لم يعد التركيز على الجانب المعرفي وحده معياراً كافياً للحكم على جاهزية المدرس، بل أصبح التفاعل، والتواصل، والقدرة على حل المشكلات، والتفكير النقدي جزءاً لا يتجزأ من التقييم.
2. تعزيز الجودة داخل المدرسة العمومية
اختبار الجوانب النفسية والبيداغوجية يساعد على اختيار المدرسين الأكثر قدرة على التفاعل مع المتعلمين وإحداث أثر تعليمي إيجابي.
3. ملاءمة التكوين مع متطلبات الواقع
الوضعيات البيداغوجية المستعملة تستمد موضوعاتها من الواقع المدرسي، مما يعكس مدى قرب الامتحان من الممارسة الفعلية.
4. الاستجابة للإصلاح التربوي الوطني
ينسجم هذا النموذج التقويمي مع أحكام القانون الإطار 51.17 الذي يدعو إلى:
تجويد التكوين الأساسي
الارتقاء بموارد التدريس
تطوير مهنة التعليم
خاتمة
تُظهر الاختبارات الشفوية لمباريات ولوج سلك تأهيل أطر التدريس أن منظومة التربية والتكوين بالمغرب تتجه نحو تعزيز مهنية المدرس ورفع مستوى الانتقاء. فالاختبار لم يعد مجرد مقابلة تقليدية، بل هو تقييم شامل يدمج البعد المعرفي والوجداني والمهني في آن واحد، ويوفر صورة دقيقة عن استعداد المترشح، ويضمن اختيار موارد بشرية قادرة على النهوض بالمدرسة المغربية.
إن فهم هذا الإطار التنظيمي والمنهجي يساعد المترشحين على الاستعداد الجيد، ليس فقط للامتحان، بل للمهنة في بعدها المستقبلي العميق. فالتعليم رسالة ومسؤولية، وتجويد مدخلات التكوين خطوة نحو مدرسة ذات جودة وأفق تنموي واعد.

