التوجيهات التربوية لمادة الفنون التطبيقية في سلك البكالوريا: مقاربة بيداغوجية وأفق مهني
مقدمة :
تُعد مادة الفنون التطبيقية من المواد التعليمية ذات الطابع الاستراتيجي في سلك البكالوريا، خاصة ضمن مسلك العلم التقني – شعبة الفنون التطبيقية، لما لها من دور محوري في بناء شخصية المتعلم وتنمية قدراته الإبداعية والفكرية والتقنية. فهذه المادة لا تقتصر على تعليم مهارات فنية معزولة، بل تشكّل مدخلًا متكاملًا لفهم العلاقة بين الفن، والتقنية، والمجتمع، والاقتصاد، بما ينسجم مع التحولات المعاصرة التي يعرفها العالم.
وانطلاقًا من التوجيهات التربوية الرسمية، تسعى الفنون التطبيقية إلى إعداد المتعلم إعدادًا قبليًا يؤهله للاندماج في المهن الإبداعية، مثل التصميم الغرافيكي، التصميم الداخلي، تصميم المنتوج، والوسائط المتعددة، مع ترسيخ قيم الانضباط، والالتزام، والعمل الجماعي، والابتكار. ويهدف هذا المقال إلى تحليل مضامين هذه التوجيهات التربوية، وإبراز أبعادها البيداغوجية والديداكتيكية والمهنية، في إطار مقاربة تعليمية حديثة.
أولًا: مكانة الفنون التطبيقية في المنظومة التربوية
1. الفنون التطبيقية بين الإبداع والتكوين المهني
تشكل الفنون التطبيقية جسرًا بين التعبير الفني والوظيفة العملية، فهي فنون تُمارَس في سياق اجتماعي واقتصادي محدد، وتسهم في تشكيل المحيط اليومي للإنسان، من خلال التصميم، والعمارة الداخلية، والإشهار، والوسائط البصرية. ولهذا، فإن تدريسها في سلك البكالوريا لا يستهدف إنتاج فنانين بالمعنى الكلاسيكي فقط، بل إعداد مصممين وتقنيين مبدعين قادرين على الاستجابة لمتطلبات السوق.
وتؤكد التوجيهات التربوية أن المدرسة مطالبة بمواكبة التحولات السريعة في مجالات التصميم والتكنولوجيا، بل واستباقها، حتى لا يتخرج المتعلم وهو متأخر عن واقع المهن الإبداعية
.
2. الطابع التعددي والتكاملي للمادة
تتميّز مادة الفنون التطبيقية بطابعها التعددي، حيث تجمع بين الرسم، والتعبير التشكيلي، والثقافة الفنية، والتاريخ، والحجم، والمعلوميات، والتصميم. هذا التنوع لا يُعد تشتتًا، بل هو عنصر قوة، لأنه يتيح للمتعلم اكتشاف ميوله وقدراته، ويمنحه مرونة مهنية مستقبلية.

ثانيًا: الأهداف العامة لتدريس الفنون التطبيقية
1. تنمية القدرات الفكرية والإبداعية
تهدف الفنون التطبيقية إلى تطوير قدرات المتعلم على:
التفكير والتحليل
التخيل والابتكار
التعبير البصري والشكلي
تحويل الفكرة إلى منتوج ملموس
وهي قدرات أساسية في مهن التصميم، حيث لا يمكن فصل الإبداع عن التفكير المنهجي.
2. اكتساب الكفايات التقنية والمنهجية
تركّز التوجيهات على تمكين المتعلم من:
التحكم في أدوات الرسم والتعبير
فهم قوانين اللون والشكل والحجم
استيعاب مبادئ المنظور والفضاء
استعمال الوسائط الرقمية والتكنولوجية
كما تؤكد على ضرورة الجمع بين المعرفة النظرية والممارسة التطبيقية، لأن التعلم في الفنون التطبيقية هو تعلم بالفعل والتجربة.
ثالثًا: المقاربة البيداغوجية المعتمدة
1. الوضعيات-المشكل والمشاريع
تعتمد التوجيهات التربوية على مقاربة الوضعيات-المشكل، حيث يُوضَع المتعلم أمام إشكالية فنية أو تصميمية لا يملك لها حلًا جاهزًا، فيُطلب منه البحث، والتحليل، والتجريب، وصولًا إلى حل إبداعي. هذا النوع من التعلم يعزز الاستقلالية، ويجعل المتعلم فاعلًا في بناء معارفه.
كما تحتل المشاريع التربوية مكانة مركزية، خاصة في السنة الثانية من البكالوريا، حيث تُتوَّج التعلمات بإنجاز مشروع متكامل يجمع بين مختلف المهارات المكتسبة.
2. دور المدرس في الفنون التطبيقية
لا يقتصر دور الأستاذ على نقل المعرفة، بل يتعداه إلى:
توجيه التفكير
إثارة التساؤل
تحفيز الإبداع
مرافقة المتعلم في مسار الإنجاز
ويُشترط في أستاذ الفنون التطبيقية أن يكون منفتحًا على مستجدات الفن والتصميم، وعلى قضايا المجتمع والثقافة المعاصرة، حتى تكون المواضيع المقترحة ذات صلة بعالم المتعلم.
رابعًا: تنظيم التعلمات ومجالاتها
1. الرسم والتعبير التشكيلي
يُعد الرسم الركيزة الأساسية في تكوين المتعلم، حيث يتعلم:
الرسم بالملاحظة
الكروكي
الدراسة الوثائقية
المنظور
ويسهم هذا المجال في تنمية دقة الملاحظة، والتحكم في الخط، وفهم العلاقات الشكلية.
2. الثقافة التشكيلية وتاريخ الفن
يهدف هذا المجال إلى:
تعريف المتعلم بالتيارات الفنية الحديثة والمعاصرة
ربط الفن بسياقه التاريخي والاجتماعي
تنمية الحس النقدي والجمالي
كما يتم الانفتاح على التراث المحلي، مثل الزخرفة الإسلامية، والعمارة المغربية، والفنون التقليدية.
3. الفنون الغرافيكية واللون
يتعلم المتعلم في هذا المجال:
تقنيات الصورة
العلاقة بين النص والصورة
قوانين اللون والتباين والانسجام
مبادئ الطباعة
وهي معارف أساسية في التصميم الغرافيكي والإشهاري.
4. الحجم والتصميم ثلاثي الأبعاد
يهدف مجال الحجم إلى:
تنمية القدرة على تصور الفضاء
تحويل الرسم إلى مجسم
التعامل مع مواد مختلفة (خشب، طين، جبص…)
ويمهّد هذا المجال لتخصصات التصميم الداخلي وتصميم المنتوج.
5. المعلوميات والإنفوغرافيك
أصبحت التكنولوجيا الرقمية عنصرًا لا غنى عنه، حيث يتعلم المتعلم:
أساسيات الحاسوب
معالجة النص والصورة
مبادئ الإنفوغرافيك
الإخراج الرقمي
مع التأكيد على أن التقنية وسيلة في خدمة الفكرة، وليست غاية في حد ذاتها.
خامسًا: التقويم في مادة الفنون التطبيقية
1. تقويم شمولي ومستمر
لا يختزل التقويم في نقطة عددية، بل يشمل:
مسار الإنجاز
البحث والتجريب
مدى احترام المنهجية
جودة المنتوج النهائي
ويُراعى في التقويم تنوع الأجوبة الإبداعية، لأن الاختلاف يُعد قيمة مضافة في هذه المادة.
2. تنمية النقد الذاتي
تسعى التوجيهات إلى جعل المتعلم قادرًا على:
تحليل عمله
تبرير اختياراته
تقبّل النقد
تطوير أدائه
وهو ما ينسجم مع متطلبات المهن الإبداعية مستقبلاً.
سادسًا: الأفق المهني والتكويني للفنون التطبيقية
تفتح الفنون التطبيقية آفاقًا واسعة أمام المتعلم، من بينها:
متابعة الدراسة في معاهد ومدارس التصميم
ولوج مهن الغرافيك والوسائط المتعددة
العمل في التصميم الداخلي والمنتوج
الانخراط في الصناعات الثقافية والإبداعية
ويُعد هذا التنوع عاملًا أساسيًا في تعزيز قابلية الإدماج المهني للخريجين.
خاتمة :
تؤكد التوجيهات التربوية لمادة الفنون التطبيقية أن هذه المادة ليست تكميلية أو هامشية، بل هي رافعة أساسية لتكوين متعلم مبدع، ناقد، ومنفتح على محيطه. فهي تزاوج بين الفن والتقنية، وبين الفكر والممارسة، وتستجيب لحاجيات المجتمع المعاصر وسوق الشغل.
ومن ثم، فإن الاستثمار الجيد في تدريس الفنون التطبيقية، من حيث التكوين، والتجهيز، والدعم البيداغوجي، يُعد استثمارًا في الرأسمال البشري والإبداعي، وفي بناء مدرسة مغربية حديثة، منفتحة، وقادرة على مواكبة تحديات المستقبل.

