مؤسسة الريادة 2025: رؤية جديدة للارتقاء بالمدرسة العمومية المغربية ومعايير دقيقة لتصنيف المؤسسات

مقدمة :

يشهد قطاع التربية والتعليم في المغرب تحولات هيكلية عميقة خلال السنوات الأخيرة، في إطار تنزيل إصلاحات واسعة تهدف إلى تحسين جودة التعلمات وتعزيز ثقة الأسر في المدرسة العمومية. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن إصدار لوائح المؤسسات التعليمية العمومية الحاصلة على علامة “مؤسسة الريادة” لشهر نونبر 2025، وهي مبادرة وطنية تهدف إلى ترسيخ نموذج مدرسي قائم على الجودة والتميز والنجاعة التربوية.

هذا الإعلان الذي يشمل آلاف المؤسسات التعليمية بمختلف المستويات الدراسية، يعكس انتقال المنظومة التعليمية نحو اعتماد مقاربة تقوم على التقييم الموضوعي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحفيز المؤسسات على تحسين أدائها التربوي والإداري. وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تأتي في إطار تنفيذ خارطة الطريق 2022 – 2026، التي تشكل العمود الفقري للإصلاح التربوي الحالي.

في هذا المقال، سنقدم قراءة شاملة في خلفيات هذا المشروع الوطني، معايير التصنيف، أهدافه التربوية، وأثره على المتعلمين والأساتذة والمؤسسات التعليمية. كما سنسلط الضوء على التحديات والفرص التي يحملها نظام “مؤسسة الريادة”، باعتباره تجربة رائدة في قياس الجودة داخل المدارس العمومية.

ما هي علامة “مؤسسة الريادة”؟

علامة “مؤسسة الريادة” هي شهادة اعتماد وطنية تمنح للمؤسسات التعليمية العمومية التي تحقق مستويات عالية من الجودة في عدة مجالات، من بينها:

  • التدبير الإداري والبيداغوجي

  • الالتزام بمبدأ الشفافية

  • جودة التعلمات

  • توفير الظروف الملائمة للتعلم

  • مساهمة المؤسسة في إنجاح المسار الدراسي للمتعلمين

المؤسسات الحاصلة على هذه العلامة تكون قد خضعت لعملية تقييم دقيقة أنجزتها اللجنة المركزية المكلفة، حيث يتم تصنيف المؤسسة إلى مستوى “مطابقة” أو “غير مطابقة”، وفق مجموعة من المعايير الموضوعية.

مضامين إعلان نونبر 2025

أعلنت وزارة التربية الوطنية في بلاغها أن عملية منح العلامة شملت:

  • 2415 مؤسسة تعليمية عمومية

  • منها 2214 مدرسة ابتدائية

  • و 201 ثانوية إعدادية

وينتمي هذا الفوج إلى الموسم الدراسي 2024/2025.

وتوضح الوزارة أن هذه العملية تأتي في إطار تنزيل التزامات خارطة الطريق التطويرية، التي تدعو إلى بناء نموذج مدرسي جديد، قائم على الشراكة بين المتعلم والأستاذ والمؤسسة، ومرتكز على اعتماد مقاربة مندمجة لتحسين جودة التعلمات.

خارطة الطريق 2022 – 2026: الخلفية الحقيقية للمشروع

تُعد خارطة الطريق الجيل الجديد من الإصلاحات التعليمية بالمغرب، وتركز على ثلاثة محاور أساسية:

1. التلميذ في قلب العملية التعليمية

الهدف هو توفير دعم تربوي يحسن قدراته في اللغات، الرياضيات، العلوم، والقيم. ويتم التركيز على تقليص الفوارق بين المتعلمين، ودعم الفئات التي تواجه صعوبات تعليمية.

2. الأستاذ باعتباره ركيزة جودة التعليم

ترتكز الرؤية على الارتقاء بوضعية الأستاذ عبر:

  • تحسين التكوين الأساس والمستمر

  • دعم ممارساته الصفية

  • تطوير الأدوات البيداغوجية

  • تشجيع روح الابتكار داخل الأقسام

3. المؤسسة التعليمية باعتبارها بيئة تعلم متطورة

هذا المحور يركز على:

  • تحسين ظروف استقبال التلاميذ

  • تطوير البنية التحتية

  • تعزيز حكامة المؤسسة

  • دعم التطوير المهني للأطر الإدارية

نظام “مؤسسة الريادة” يأتي؟ كتجسيد عملي لهذا المحور الثالث، عبر قياس مدى التقدم على مستوى جودة التدبير والنتائج التعليمية.

معايير الحصول على علامة “مؤسسة الريادة”

تخضع المؤسسات لسلسلة من التقييمات، تشمل:

1. جودة التعلمات

ويقاس ذلك عبر:

  • أداء التلاميذ في الاختبارات التشخيصية

  • نسب النجاح والتحسن الدراسي

  • جودة الأنشطة الصفية

  • تتبع تعلمات التلاميذ

2. حكامة المؤسسة

من خلال:

  • اعتماد تدبير شفاف وواضح

  • احترام المعايير الإدارية

  • حسن تنظيم الزمن المدرسي

  • فعالية المجالس التربوية

3. البيئة المدرسية

المؤسسة يجب أن توفر:

  • فضاء نظيفا وآمنا

  • مرافق صحية في حالة جيدة

  • قاعات مناسبة للتعلم

  • أنشطة تربوية وثقافية موازية

4. انفتاح المؤسسة على محيطها

ويشمل:

  • علاقة الإدارة مع الأسر

  • التعاون مع المجتمع المدني

  • المشاركة في المبادرات المحلية

آثار المشروع على المنظومة التعليمية

1. تعزيز الجودة وتحسين الأداء

من خلال التحفيز على تطوير:

  • طرق التدريس

  • تقييم التعلمات

  • تقوية الدعم البيداغوجي

  • إشراك المتعلمين في العملية التعليمية

2. الارتقاء بالثقة في المدرسة العمومية

إصدار لوائح المؤسسات “الرائدة” يساهم في:

  • تشجيع الأسر على تسجيل أبنائها في المدارس العمومية

  • خلق منافسة إيجابية بين المؤسسات

  • تحسين الصورة العامة للمدرسة المغربية

3. الحد من الهدر المدرسي

مؤسسات الريادة تعتمد خططا لمحاصرة الانقطاع الدراسي عبر:

  • برامج للدعم المدرسي

  • مواكبة المتعثرين

  • خلق بيئة جاذبة ومحفزة للمتعلمين

4. دعم مسار الأساتذة والأطر الإدارية

بفضل:

  • وضوح معايير التقييم

  • توفير تكوينات مستمرة

  • خلق ديناميكية جديدة داخل المؤسسات

الجانب القانوني والتنظيمي

تمنح علامة “مؤسسة الريادة” بناءً على المقتضيات القانونية التابعة للمرسوم رقم 2.24.144 الصادر في يوليوز 2024، والذي يحدد:

  • آليات تتبع مؤشرات الجودة

  • أدوار السلطات التربوية

  • إجراءات منح وسحب العلامة

  • دور اللجان الجهوية والمركزية

ويُعتبر المرسوم خطوة مهمة في مسار تعزيز حكامة النظام التعليمي على أسس واضحة.

لماذا يعتبر هذا المشروع محطة تاريخية؟

1. أول نظام وطني لتصنيف المؤسسات التعليمية

يمثل هذا المشروع لأول مرة آلية شفافة لتحديد المؤسسات الناجحة، مما يضع المغرب ضمن الدول التي تعتمد نظاما رسميا لتقييم المدارس العمومية.

2. اعتماد مؤشرات علمية ومعايير دقيقة

لم يعد التقييم يعتمد على انطباعات عامة، بل على بيانات وإحصائيات موضوعية.

3. تحفيز المؤسسات على التطور

المؤسسة التي لا تحصل على العلامة تدرك مكامن الضعف، مما يساعدها على تحسين أدائها للحصول عليها في السنوات المقبلة.

4. دعم رؤية المغرب 2035

النهوض بالتعليم يعتبر ركيزة أساسية في نموذج التنمية الجديد، ونظام “مؤسسة الريادة” جزء من هذا المسار.

التحديات التي تواجه المشروع

1. الفوارق بين المؤسسات

وجود تفاوت بين المدن والقرى يطرح تحديا أمام تحقيق تكافؤ الفرص في الحصول على العلامة.

2. الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية

تحسين جودة المؤسسات قد يتطلب استثمارات إضافية، خاصة في المناطق القروية.

3. الاستدامة والمتابعة

نجاح المشروع مرتبط بمدى التزام جميع الأطراف بتطبيق المعايير كل سنة، وليس في فترة التقييم فقط.

ماذا يعني هذا التصنيف بالنسبة للأسر؟

يمنح هذا النظام للأسر معلومات دقيقة حول جودة المؤسسات التعليمية القريبة منها. ويمكنهم الاطلاع على لوائح المؤسسات عبر الموقع الرسمي للوزارة:
www.men.gov.ma

وبذلك أصبح بإمكان الآباء الاختيار بناءً على:

  • مستوى التحصيل

  • جودة المدرسة

  • مؤشرات الأمن والانضباط

  • الخدمات التربوية المقدمة

خاتمة :

يمثل نظام “مؤسسة الريادة” خطوة استراتيجية في طريق إصلاح المدرسة المغربية، حيث يجمع بين الشفافية، الجودة، وتحفيز المؤسسات على تحسين أدائها. ومع دخول المزيد من المؤسسات إلى هذا التصنيف، ستبدأ ملامح مدرسة مغربية جديدة في الظهور؛ مدرسة قادرة على تهيئة جيل متعلم، واثق في قدراته، وقادر على الاندماج في سوق الشغل ومواجهة تحديات المستقبل.

نجاح هذا المشروع يتطلب تضافر جهود الجميع: الدولة، الأطر التربوية، الأسر، والمجتمع المدني. وإذا استمرت الدينامية الحالية، فإن المدرسة العمومية المغربية ستكون أمام مرحلة جديدة عنوانها الجودة، التميز، والارتقاء بمستوى التعليم.

لمعاينة البلاغ كاملا يمكنك تحميل الملف أسفله: