آليات إعداد مواضيع الامتحانات الخاصة بشهادة التقني العالي في المغرب – رؤية تنظيمية لتجويد منظومة التقييم

تعتبر عملية إعداد مواضيع الامتحانات الإشهادية بالمغرب واحدة من أهم المحطات في المسار الدراسي والتكويني للمتعلمين، خاصة في التخصصات التقنية والتكوينية التي تنتهي بمنح شهادة التقني العالي؛ والتي تُمثل بدورها جسرا حقيقيا بين التعليم المهني والمجالين الاقتصادي وسوق الشغل. وفي هذا السياق، أصدرت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مذكّرة تنظيمية شمولية تُحدد أسس إعداد مواضيع الامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة التقني العالي برسم الموسم الدراسي 2025 – 2026.

هذه المذكرة، التي تمّ توجيهها إلى الأكاديميات الجهوية، المديريات الإقليمية، رؤساء الأقسام والمصالح، وأطر التدريس بالمؤسسات التكوينية، جاءت في إطار رؤية جديدة تهدف إلى تطوير منظومة الامتحانات الإشهادية وتحسين جودة التقييم، بما يتوافق مع مقتضيات القانون الإطار 51.17، مخطط تسريع التحول لمنظومة التعليم 2022 – 2026، وكذا دفاتر المساطر المنظمة للامتحانات الوطنية.

أولا: السياق العام وأهمية إصلاح منظومة إعداد المواضيع

تسعى وزارة التربية الوطنية من خلال هذه التوجيهات الجديدة إلى رفع جودة مواضيع الامتحانات عبر مجموعة من الإجراءات التنظيمية والعملية التي تهدف أساساً إلى:

  • ضمان عدالة أكبر في التقييم بين المتعلمين.

  • ترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص عبر توحيد المعايير بين مختلف الجهــات.

  • تعزيز المصداقية العلمية والبيداغوجية للامتحانات الوطنية.

  • تحسين جودة الأسئلة المعتمدة وإبعادها عن العشوائية.

  • جعل التقييم منسجماً مع الكفايات والمعايير المهنية والعملية المرتبطة بسوق الشغل.

هذا التطوير جاء نتيجة الحاجة إلى مراجعة آليات العمل السابقة، خاصة بعد التطور الحاصل في بنية التكوينات التقنية ومراجعة برامج الامتحانات ودفاتر المساطر، وهو ما جعل من الضروري تحديث منهجية الإعداد بما ينسجم مع الرؤية الوطنية لإصلاح النظام التربوي برمته.

ثانيا: المبادئ الأساسية المؤطرة لإعداد مواضيع الامتحانات

اعتمدت الوزارة مجموعة من المبادئ التي يجب الالتزام بها أثناء إعداد المواضيع المقترحة، ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي:

1. الجودة والدقة العلمية

ينبغي أن تكون الأسئلة:

  • واضحة في البيان والصياغة.

  • غنيّة بالمحتوى دون تعقيد لغوي أو غموض.

  • خالية من الأخطاء العلمية واللغوية.

  • مناسبة لمستوى الطلبة ومدة الاختبار.

2. أصالة الأسئلة وعدم تكرارها

منعت المذكرة بشكل واضح تضمين أسئلة سبق إدراجها في دورات الامتحان الماضية، وذلك حفاظًا على مصداقية الاختبارات ومنع أي تكرار.

3. احترام البرامج الرسمية ودفاتر المساطر

لا تُعد الأسئلة صالحة للتقييم إلا إذا كانت:

  • منسجمة مع المقررات الرسمية.

  • مطابقة لمخرجات التعلم المحددة لكل مادة.

  • مرتبطة بالكفايات المهنية والتطبيقية المطلوبة من التقنيين.

4. مراعاة التوازن بين النظرية والتطبيق

على الموضوع أن:

  • لا يكون نظريًا بحتًا.

  • يعكس الجوانب التطبيقية والمهنية للتخصصات.

  • يتيح للطالب إظهار قدراته العملية وقدرته على حل المشكلات.

5. وضوح شبكة التصحيح

يجب إعداد:

  • موضوع الامتحان.

  • شبكة التصحيح.

  • سلم التنقيط المفصل.

وذلك لضمان شفافية التقييم وتقليل التقديرات الذاتية.

ثالثا: منهجية إعداد المواضيع على مستوى المؤسسات

تؤكد المذكرة أن إعداد مقترحات المواضيع يبدأ أولاً داخل المؤسسة التكوينية عبر تعبئة الأستاذ(ة) المكلف بالمادة. ويقوم كل أستاذ بإعداد:

  • عشرة مواضيع مقترحة (موضوعان لكل مكوّن)

  • مع شبكة التصحيح

  • وسلم مرقم لكل موضوع

ويقوم الأستاذ بتسليم المواضيع للإدارة، قبل أن تتكلف المؤسسة بجمعها ومراجعتها في حافظة مؤمنة مع إرفاق تقرير يثبت الالتزام بالمعايير.

لمعاينة لمعاينة البلاغ كاملا يمكنك تحميل الملف أسفله:

رابعا: دور الإدارة التربوية داخل المؤسسات

مدير المؤسسة التكوينية يتحمل دوراً محورياً في هذه المرحلة، ويتجلى ذلك في:

  • جمع المواضيع من الأستاذة داخل ظرف مختوم.

  • التأكد من احترام المعايير التنظيمية والبيداغوجية.

  • إعداد تقرير مرفق حول العملية.

  • رفع المواضيع إلى المدير الإقليمي داخل الآجال المحددة.

هذا المسار يضمن ضبط عملية الإعداد منذ بدايتها ويحول دون أي شكل من أشكال العشوائية أو الارتجال.

خامسا: دور المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية

في المرحلة الثانية، تنتقل مهمة التأطير إلى المديريات الإقليمية التي تتولى:

  • استلام المواضيع من المؤسسات.

  • إعداد تقرير لتقييم مدى احترام التوجيهات.

  • إرسال المواضيع إلى الأكاديمية الجهوية.

أما الأكاديميات، فمهمتها:

  • فحص المقترحات على مستوى الجهة.

  • اختيار المواضيع الأنسب.

  • رفعها إلى اللجنة الوطنية والمركز الجهوي للتربية والتكوين.

بهذا الشكل، يمر موضوع الامتحان بثلاث مستويات من الإشراف:

  1. المؤسسة التكوينية.

  2. المديرية الإقليمية.

  3. الأكاديمية الجهوية.

مما يعزز الشفافية ويلغي إمكانية تمرير موضوع غير ملائم أو غير مطابق للمساطر.

سادساً: الهيئات الوطنية واللجان العليا

تقوم اللجنة الوطنية والمركز الوطني للامتحانات بعملية الانتقاء النهائي قبل اعتماد الموضوع في النسخة النهائية للامتحانات الوطنية. وتشمل العملية:

  • التحقق من جودة السؤال ومناسبته.

  • مراجعة الشبكات.

  • ضمان خلو المواضيع من أي مناطق خلل أو غموض.

  • اختيار الموضوع الذي يحقق تكافؤ الفرص على المستوى الوطني.

بهذا الأسلوب يصبح الامتحان الوطني أكثر عدالة وموضوعية.

سابعاً: الزمن التنظيمي لإعداد الامتحانات

حددت الوزارة برمجة زمنية دقيقة تشمل:

  • من 20 نوفمبر إلى 14 ديسمبر: إعداد المواضيع داخل المؤسسات.

  • 15 ديسمبر: تسليم المواضيع للمديريات الإقليمية.

  • 16 ديسمبر: إرسال المواضيع إلى الأكاديميات الجهوية.

  • 17 ديسمبر: تحليل واختيار المواضيع على مستوى الأكاديميات.

  • 18 ديسمبر: رفع المقترحات النهائية إلى المركز الوطني.

هذه الصرامة الزمنية تؤكد أهمية الرهان على التنظيم وفق منهجية تدبير النتائج والأهداف.

ثامناً: تأمين سرية المواضيع

سرية الامتحانات إحدى أهم القواعد التنظيمية، ولذا شددت المذكرة على:

  • عدم تبادل المواضيع إلكترونياً.

  • إغلاق الظروف بشكل محكم.

  • توقيع كل أستاذ على الظرف كما لو كان سِجلًا رسمياً.

وهذه نقطة بالغة الأهمية في حماية مصداقية الامتحانات الوطنية.

تاسعاً: أثر هذا التنظيم على جودة المنظومة التكوينية

إصدار هذه التوجيهات ليس مجرد إجراء إداري، بل يحمل انعكاسات ملموسة على الواقع التربوي والتكويني، أهمها:

1. الرفع من مصداقية الامتحانات

حين يحظى موضوع الامتحان بالتمحيص عبر عدة مستويات من المراقبة العلمية، تكون النتائج أكثر دقة وتعكس فعلا قدرات الطلبة.

2. توحيد معايير التقييم وطنياً

ما يحدث في جهة الدار البيضاء مثلاً، سيماثل ما يحدث في جهة مراكش أو طنجة، مما يضمن تكافؤ الفرص.

3. تقريب التكوين من سوق الشغل

عندما يصبح السؤال مبنيًا على الكفايات التطبيقية، فإن التقني المتخرج يصبح:

  • أقرب للتنفيذ.

  • أكثر جاهزية للمهنة.

  • مؤهلاً لتحمل مسؤوليات التشغيل والإنتاج.

4. ترسيخ ثقافة المراجعة والتحسين

عملية إعداد المواضيع أصبحت بدورها محطة تكوينية للأساتذة، لأنها تفرض:

  • مراجعة البرامج من جديد.

  • استحضار المعايير المهنية والتكوينية.

  • تجويد الممارسة الصفية والتقييمية.

5. دعم الحوكمة والتخطيط التعليمي

تنزيل هذه الرؤية يتم داخل إطار إداري مُحكم، حيث تتكامل:

  • رئاسة المؤسسات،

  • مكاتب الامتحانات،

  • المديريات الإقليمية،

  • الأكاديميات الجهوية،

  • اللجنة الوطنية.

وبالتالي فإن إدارة الامتحانات تتحول من عملية ظرفية إلى مسار مؤسسي مبني على التخطيط، التوثيق، المتابعة، والمحافَظة على ذاكرة تدبيرية.

عاشراً: ما الذي تعنيه هذه المذكرة للطلبة؟

من الطبيعي أن يتساءل الطلبة الحاصلون على شهادة التقني العالي عن الجدوى العملية لهذه التغييرات. ويمكن تلخيص الجواب في النقاط التالية:

  • الامتحانات ستكون أكثر عدلاً ودقة.

  • الأسئلة تتجه لتقييم الفهم وليس الحفظ.

  • التركيز سيكون على التطبيق العملي والمشاريع المهنية.

  • المنافسة ستكون متوازنة وطنياً.

  • نتائج الامتحانات ستعكس المهارات الحقيقية لكل طالب.

وبالتالي، فهذه المنهجية قادرة على منح الشهادة قيمة أكبر في سوق الشغل وبناء ملامح خريجين أكفاء ومؤهلين.

خاتمة

إن التغييرات التي حملتها هذه المذكرات الوزارية لا تمس فقط الجوانب الإجرائية لتنظيم الامتحانات، بل تشكل خطوة نحو تغيير النموذج التقليدي للتقييم، عبر تحويله من مجرد اختبار نهائي إلى محطة قياس موضوعية للكفايات المهنية والعلمية التي ينبغي أن يحملها المتخرج من مسارات التكوين التقني.

وتُعد هذه العملية واحدة من الآليات التي تراهن عليها وزارة التربية الوطنية من أجل:

  • تحسين جودة التكوين،

  • دعم احترافية الأساتذة،

  • تطوير ثقافة التقويم،

  • تعزيز ثقة المجتمع وقطاع الشغل في الشهادات الممنوحة.

إن هذه المنهجية، إن طُبقت بالصورة المثلى، ستساهم في الارتقاء الفعلي بجودة منظومة التكوين المهني داخل المغرب، وستقربها أكثر من المعايير الدولية في مجال التكوين المبني على الكفايات.

للاطلاع على المذكرة

عنوان الوثيقةالرابط
تحميل المذكرة 108تحميل
المذكرة عدد 109 الصادرة بتاريخ 17 نومبر 2025 الخاصة بالأطرالمرجعية لاختبارات الامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة التقني العالي 2026تحميل
الأطرالمرجعية (الجزء الأول)تحميل
الأطرالمرجعية (الجزء الثاني)تحميل