فتح باب الترشيح لشغل منصب مدير مناهج التعليم الثانوي… آلية جديدة لتحديث القيادة التربوية بالمغرب

في إطار مواصلة الإصلاح البنيوي لمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن فتح باب الترشيح لشغل منصب مدير(ة) مناهج التعليم الثانوي بالإدارة المركزية، في خطوة جديدة تعكس إرادة الوزارة في تطوير الهيكلة الإدارية وتجويد قيادة المناهج التربوية بما ينسجم مع التحولات العميقة التي يشهدها قطاع التعليم في المغرب.

يمثل افتتاح هذا المنصب محطة مفصلية في تفعيل مشاريع الإصلاح التربوي التي انطلقت منذ اعتماد القانون الإطار 51.17، وما تلاه من مخططات إستراتيجية تستهدف تحسين جودة المحتوى التعليمي، تطوير مناهج التدريس، وربط التعليم بمتطلبات الكفايات المستقبلية وسوق الشغل.

أولا: السياق والدوافع وراء الإعلان عن المنصب

تأتي هذه الخطوة في سياق يتسم بارتفاع وتيرة الإصلاح التربوي، حيث تعمل وزارة التربية الوطنية على:

  • تجديد البرامج الدراسية في كل الأسلاك.

  • إدماج مقاربات بيداغوجية حديثة مبنية على تعلم المهارات والكفايات بدل الحفظ والاستظهار.

  • تحديث آليات التدبير الإداري للمناهج.

  • تقوية القيادة التربوية القائمة على تخطيط قائم على النتائج.

  • مأسسة التقييم المنتظم لمردودية المناهج الدراسية.

وتعتبر مديرية المناهج من أهم البنيات داخل المنظومة التعليمية، فهي العقل الإشرافي الذي يخطط، يوجه، يقيم، ويطور المادة العلمية التي تصل إلى المتعلم داخل الفصل الدراسي.

لذلك، فإن اختيار مدير جديد لمناهج التعليم الثانوي ليس مجرد إجراء إداري، بل خطوة استراتيجية تندرج ضمن رؤية تحديث المدرسة المغربية وفق متطلبات القرن الـ21.

ثانيا: شروط الترشيح لشغل منصب مدير مناهج التعليم الثانوي

وفق الوثائق الرسمية المرفقة في الإعلان، حددت الوزارة شروطًا دقيقة ينبغي توفرها في المترشح/ة، أبرزها:

1. شرط الانتماء المهني

ينبغي أن يكون المترشح/ة:

  • موظفًا(ة) بإحدى الإدارات العمومية.

  • أو المؤسسات والمقاولات العمومية.

  • أو الجماعات الترابية.

2. الخبرة المهنية

يشترط:

  • تجربة عامة لا تقل على 10 سنوات في مجال يستجيب لطبيعة المنصب.

  • خبرة مسؤولية لا تقل على 3 سنوات في منصب رئيس قسم أو ما يماثله.

3. مهارات القيادة والتسيير

من بين الشروط المطلوبة:

  • القدرة على قيادة وتحفيز الفرق.

  • إعداد التقارير بمهارة ودقة.

  • اتخاذ القرارات التنفيذية للتطوير.

4. الكفاءة المعرفية والبيداغوجية

تولي الوزارة أهمية كبيرة للجانب التربوي، حيث يجب:

  • الإلمام بتجارب دولية في تطوير المناهج.

  • القدرة على قراءة وتحليل الممارسات الصفية.

  • فهم مستجدات البيداغوجيا الحديثة.

5. التناسق مع الإطار القانوني

يشترط أن يكون المترشح:

  • مستوفياً لمقتضيات القانون رقم 2.12.349 بتاريخ 20 أكتوبر 2012.

  • قابلاً للتحمل الإداري والوظيفي الخاص بالمنصب.

هذه الشروط تعكس رؤية جديدة في انتقاء القيادات التربوية، مبنية على:

  • المهنية،

  • الكفاءة،

  • التجربة،

  • الأداء القائم على النتائج.

ثالثاً: ملف الترشيح… وثائق لإثبات المصداقية المهنية

حددت المذكرة الإدارية مكونات ملف الترشيح بدقة شديدة، وتشمل:

1. طلب خطي

يتضمن:

  • ترشيح المترشح/ة للمنصب.

  • توقيع الإدارة التي ينتمي إليها.

2. رسالة تحفيزية

موجهة للوزارة تتضمن:

  • الأهداف المهنية.

  • تصور المترشح لتطوير المناهج.

  • ملامح مشروعه في المجال.

3. السيرة الذاتية المفصلة

تشمل:

  • المسار الدراسي.

  • المنجزات المهنية.

  • المهارات العلمية والإدارية.

  • الشواهد المحصل عليها.

4. الوثائق الإدارية

منها:

  • نسخة من قرارات التعيين والترقية.

  • نسخ من الدبلومات والشهادات.

  • تقارير أداء عند الاقتضاء.

  • الوثائق التي تثبت الخبرة المهنية.

5. نسخة إلكترونية من الملف

تُوضع جميع الوثائق في:

  • دعامة إلكترونية (USB)

  • وترسل بنسخة ورقية كذلك.

هذه الصرامة في إعداد الملف تشير بوضوح إلى الرغبة في اختيار كفاءة حقيقية تتوفر على مؤهلات علمية وقيادية قادرة على تحمل مسؤولية بهذا الحجم.

رابعاً: عملية إيداع الملفات داخل الآجال المحددة

أصدرت الوزارة توجيها واضحاً بخصوص:

  • تاريخ بدء سحب ملفات الترشيح.

  • طريقة الإيداع.

  • الجهات المسؤولة عن الاستلام.

1. سحب الملف

يبدأ من:

  • تاريخ نشر الإعلان عبر البوابة الإلكترونية www.men.gov.ma

  • .

2. إيداع الملفات

تُسلّم الملفات:

  • في مقر الوزارة – باب الرواح – الرباط.

  • مقابل وصل استلام رسمي.

وحددت الوزارة:

  • يوم 26 نوفمبر 2025 على الساعة الرابعة والنصف كآخر أجل للتسليم.

هذه المنهجية تنسجم مع قواعد الحكامة الجيدة في:

  • احترام الآجال القانونية.

  • ضمان تكافؤ الفرص.

  • منع التلاعب بالترشيحات.

خامساً: مرحلة الانتقاء والمقابلات الشخصية

لا يُكتفى بدراسة الملفات الورقية، بل يتم تنظيم:

1. مقابلة شفوية

تضم لجنة مختصة تناقش مع المترشح:

  • مشروعه التطويري للمناهج.

  • قدرته على إدارة التغيير.

  • مستوى التحكم في الإطار التربوي.

  • مدى وعيه بالتحديات الحالية داخل المنظومة.

2. محاكاة تقديم المشروع

يكلف كل مترشح بـ:

  • تقديم عرض شفوي يشرح فيه رؤيته.

  • الدفاع عن خياراته التقنية والبيداغوجية.

  • إقناع اللجنة بالحلول التي يقترحها.

هذه الطريقة في الانتقاء تُعد إحدى أحدث ممارسات استقطاب القيادات التربوية في العالم، لأنها:

  • تخرج عن النظام التقليدي المرتكز فقط على الوثائق.

  • تعطي وزناً للابتكار والوضوح والرؤية المستقبلية.

سادساً: ما الذي ينتظر المدير الجديد لمناهج التعليم الثانوي؟

بمجرد تعيين المسؤول الجديد، سيكون أمامه مجموعة من الملفات الكبرى، من بينها:

1. إصلاح البرامج المدرسية

وذلك من خلال:

  • مراجعة الأهداف البيداغوجية.

  • تلخيص التعلمات بما ينسجم مع الكفايات.

  • تقوية الارتباط بين المدرسة والحياة اليومية.

2. إدماج المناهج الرقمية

وفق متطلبات العصر الرقمي:

  • فاتحة الطريق للتعلم الذاتي.

  • دعم التعلم عبر المنصات الوطنية.

  • إدماج المواد الرقمية ضمن التدريس المنظم.

3. إعادة بناء مسارات التدريس

خاصة في المواد العلمية والتقنية من خلال:

  • التدرج المنطقي للمحتوى.

  • تنظيم الكفايات الأساسية والمتقدمة.

  • دعم الاستمرارية بين التعليم الثانوي والتعليم العالي.

4. تكوين المدرسين

فلا قيمة للمناهج الجيدة بدون:

  • مدرس مؤهل.

  • متدرب قادر على تنزيل التغيير داخل الصف.

  • تأطير بيداغوجي مستمر.

5. إدماج سوق الشغل داخل المنهج

وذلك عبر:

  • مهننة المناهج التقنية والعلمية.

  • تقوية الجانب التطبيقي.

  • فتح جسور مع القطاع الإنتاجي.

6. مأسسة التقييم

من خلال:

  • تقارير قياس أثر المناهج.

  • مؤشرات أداء وطنية واضحة.

  • تقييمات دورية لكل مادة.

سابعاً: تحديات تنتظر المنصب الجديد

رغم أهمية المنصب والآفاق التي يفتحها، فإن مدير المناهج سيواجه أيضاً عدداً من التحديات، أهمها:

1. تعدد الفاعلين

المناهج ليست قرارًا إداريًا فقط، بل:

  • تشارك فيه الجامعات،

  • المفتشون،

  • المدرسون،

  • الآباء،

  • خبراء التربية.

2. مقاومة التغيير

أي إصلاح تربوي سيواجه:

  • مقاومة تلقائية لدى البعض.

  • الحاجة إلى التواصل والتدرج.

3. تضخم المقررات الحالية

من بين الإشكالات التي تشكو منها المدرسة المغربية:

  • الحشو الزائد في بعض المواد.

  • قلة الوقت مقابل كثرة المضامين.

4. ضغط الميدان

لأن:

  • النتائج يجب أن تظهر على المدى القصير والمتوسط.

  • والتوقع الاجتماعي مرتفع جداً.

5. تطور العالم بسرعة

المناهج ينبغي أن تواكب:

  • الذكاء الاصطناعي،

  • تعلم الآلة،

  • الاقتصاد الأخضر،

  • الروبوتات،

  • ريادة الأعمال،

  • مهارات المستقبل.

ثامناً: لماذا هذه الخطوة مهمة للمغرب اليوم؟

يمكن تلخيص أهمية فتح باب الترشيح لمنصب مدير المناهج في:

1. مواصلة الإصلاح الفعلي وليس النظري

الإصلاح الحقيقي:

  • لا يقوم فقط على الخطط.

  • بل على قيادة تنفيذ قادرة على إنجاحها.

2. ملاءمة المناهج مع القانون الإطار 51.17

خاصة في:

  • تحسين جودة التعلمات.

  • دعم الإنصاف وتكافؤ الفرص.

  • محاربة الهدر المدرسي.

3. جعل المدرسة المغربية مدرسة للقرن 21

أي:

  • تنفتح على العلوم الحديثة.

  • تدرب على المهارات العملية.

  • تُحرر الفكر من التلقي إلى الإبداع.

4. تعزيز الحكامة والتدبير الإداري

من خلال:

  • الانتقاء المبني على الجدارة.

  • الشفافية.

  • المساءلة.

خاتمة

إن فتح باب الترشيح لشغل منصب مدير مناهج التعليم الثانوي بوزارة التربية الوطنية يشكل خطوة جديدة نحو ترسيخ نموذج جديد للقيادة التربوية في المغرب، نموذجٍ يقوم على:

  • المهنية بدل الانتماء،

  • الكفاءة بدل العلاقات،

  • النتائج بدل الشعارات.

فالمدرسة المغربية اليوم تعيش مرحلة إعادة البناء، ومعها يصبح اختيار الكفاءات القادرة على قيادة هذا التحول شرطاً أساسياً لإنجاح الإصلاح وضمان مدرسة عمومية متجددة، منفتحة، دامجة، وبجودة تنافس المعايير الدولية.

لمعاينة البلاغ كاملا يمكنك تحميل الملف أسفله: