تنزيل المرحلة الأولى من آليات المراقبة المستمرة داخل مؤسسات الريادة في إطار خارطة طريق إصلاح التعليم 2022–2026
تعيش المنظومة التربوية المغربية مرحلة مفصلية من تاريخها الحديث، حيث تشهد سلسلة من الإصلاحات التربوية المتدرجة والهادفة إلى الارتقاء بجودة التعليم وضمان حكامة فعّالة للمؤسسات التعليمية. ومن بين المبادرات الاستراتيجية البارزة في هذا المسار، يأتي مشروع “مؤسسات الريادة” باعتباره ورشًا نوعيًا يرمي إلى إرساء نموذج مدرسي جديد قائم على الجودة، والإنصاف، والمساءلة، والتميز.
وفي هذا السياق، صدرت مذكرة وزارية تنظّم المرحلة الأولى من عمليات المراقبة المستمرة داخل مؤسسات الريادة، والتي ستتم خلال الفترة الممتدة من 1 إلى 6 دجنبر 2025. وتشكل هذه المرحلة محطة أساسية ضمن تنفيذ خارطة طريق إصلاح منظومة التربية والتكوين 2022–2026، والتي وضعت ضمن أولوياتها تحسين تعلم التلاميذ، وتطوير أداء هيئة التدريس، وتعزيز فعالية الإدارة التربوية.
يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية موسعة لهذه الخطوة التنظيمية، مع إبراز خلفياتها، وأهدافها، وآليات تنفيذها، وأدوار مختلف الفاعلين التربويين، إضافة إلى استشراف أثرها على المدرسة المغربية في المديين القريب والمتوسط.
أولًا: خلفية ظهور مشروع مؤسسات الريادة داخل المنظومة التربوية
استجابةً للتحديات الكبرى التي تواجه المدرسة المغربية—سواء المرتبطة بمردودية النظام التربوي أو بضعف المكتسبات الدراسية أو بالاختلالات التدبيرية—بادرت وزارة التربية الوطنية إلى إطلاق مشروع “مؤسسات الريادة” باعتباره نموذجًا تجريبيًا يمكن تعميمه لاحقًا على باقي المؤسسات.
هذا المشروع يرتكز على مجموعة من الأسس، أبرزها:
إرساء نظام تقييم منتظم وموضوعي للتعلمات؛
تحسين الأداء التربوي عبر المراقبة المستمرة المنظمة؛
تعزيز مبادئ الشفافية والجودة داخل المؤسسات؛
إتاحة بيئة مدرسية تقوم على التتبع اليومي لمستويات المتعلمين؛
مواكبة هيئة التدريس من خلال آليات داعمة ومسندة.
تأتي المرحلة الأولى من هذه المراقبة في إطار السعي نحو ضبط التعلمات الأساسية، وضمان تكافؤ الفرص بين تلاميذ مؤسسات الريادة، وتوحيد طريقة إعداد وترتيب مواضيع الاختبارات الجهوية والإقليمية التي تهم هذه المؤسسات.
ثانيًا: أهداف المرحلة الأولى من المراقبة المستمرة لمؤسسات الريادة
تسعى الوزارة من خلال هذا الإجراء إلى تحقيق مجموعة من الأهداف البيداغوجية والتنظيمية، من أهمها:
1. ضمان تقييم منصف وموحّد للتعلمات
إعداد مواضيع موحدة وواضحة لكل مادة يضمن، إلى حد كبير، تحقيق العدالة بين المتعلمين، سواء داخل المؤسسة الواحدة أو بين المؤسسات المنتمية للجهة نفسها. فالاختلاف الكبير في طرق التقييم كان دائمًا مصدرًا للارتباك وعدم التجانس في النتائج.
2. ضبط جودة المواضيع وتكييفها مع الإطار المرجعي
المواضيع المقترحة تخضع لتدقيق صارم، سواء من حيث انسجامها مع المناهج الدراسية، أو من حيث ملاءمتها لمستوى التلاميذ، أو من حيث قدرتها على قياس التعلمات المستهدفة.
3. تخفيف الضغط التدبيري على المؤسسات التعليمية
من خلال إسناد مهمة إعداد المواضيع ومراجعتها وتصحيحها إلى مراكز جهوية وإقليمية مختصة، مما يتيح للإدارة التربوية التفرغ لمهام التنظيم والإشراف والمواكبة.
4. تعزيز ثقة الأسر في نتائج التقويم
عندما تصبح آليات المراقبة موحدة وشفافة، تزداد مصداقية النظام التقييمي في نظر أولياء الأمور، وبالتالي تتحسن علاقة الأسرة بالمؤسسة التعليمية.
5. دعم هيئة التدريس عبر آليات مساندة
يسهم هذا الإجراء في تخفيف العبء عن المدرسين، خصوصًا في جانب إعداد المواضيع وتصحيحها، مما يتيح لهم وقتًا إضافيًا للممارسة الصفية والاشتغال على صعوبات المتعلمين.
ثالثًا: آليات تنظيم المراقبة المستمرة داخل مؤسسات الريادة
جاءت الوثيقة التنظيمية بمجموعة من الخطوات العملية المتسلسلة التي تضمن حسن تنزيل المرحلة الأولى من المراقبة. من أبرز هذه الآليات:
1. إعداد ثلاثة مواضيع لكل مادة
يتولى المركز الجهوي للامتحانات إعداد ثلاثة مواضيع لكل مادة رقمية (مواد 3-2-1)، مع مراعاة الإطار المرجعي للمناهج الدراسية.
2. إرسال المواضيع إلى المراكز الإقليمية
يتم تزويد هذه المراكز بنسخ واحدة من كل موضوع للمراجعة، ثم يُعتمد موضوعان اثنان فقط:
أحدهما خاص بالتلاميذ،
والآخر خاص بالأساتذة.
وتُرسل هذه النسخ إلى كل مؤسسة مستهدفة في ظرف مغلق حرصًا على السرية.
3. اعتماد تنظيم محكم ويقظ خلال فترة الاختبارات
تلتزم الإدارات التربوية بوضع برنامج زمني واضح يضمن انسيابية العملية، مع الحرص على توفير أوراق التحرير والآليات اللوجستية اللازمة.
4. دور المدير في تتبع السير التنظيمي
يُطلب من المديرين التأكد من سلامة المواضيع وتطابقها مع اللوائح، وضمان عدم حدوث أي خرق يؤثر على مصداقية العملية.
5. طبع المواضيع وتوزيعها
يتم طبع المواضيع في أوقات محددة، ثم تسليمها للأساتذة والتلاميذ وفق جدول مضبوط، بما يضمن الاستفادة من فترة الصباح أو الفترة المسائية حسب طبيعة المادة.
6. إجراءات موازية لتحسين جودة التأطير
من بين التدابير المرافقة لهذه العملية:
استكمال تلقين الدروس قبل موعد 2 دجنبر 2025.
توفير آلات النسخ داخل المؤسسات.
ضمان توفر الكمية الكافية من أوراق التحرير.
توجيه الأساتذة حول كيفية التعامل مع أوراق التحرير للمتعلمين.
احترام البرمجة الزمنية بدقة.
رابعًا: دور الفاعلين التربويين في إنجاح مرحلة المراقبة المستمرة
هذا الورش لا يتعلق فقط بالوزارة أو الأكاديميات، بل يشمل جميع الفاعلين داخل المدرسة:
1. المدرسون
لهم دور أساسي في:
توضيح طبيعة الاختبار للتلاميذ؛
توفير الدعم البيداغوجي؛
تحسين منهجيات التعامل مع الأسئلة؛
تعزيز مبدأ النزاهة والأخلاقيات داخل الفصل.
2. المديرون
يقومون بدور الوسيط بين المراكز الإقليمية والفرق التربوية، كما يُناط بهم ضمان التنظيم المحكم، والتحكم في مسك المواضيع، وحماية سرية العملية.
3. المفتشون التربويون
يتكلفون بالمواكبة البيداغوجية، وضبط جودة المواضيع، وقياس مدى انسجام الاختبارات مع الأهداف التعليمية.
4. التلاميذ
يستفيدون من بيئة تعليمية منظمة تُتيح لهم فرصة تقييم ذاتي موضوعي، كما تُنمّي لديهم روح الاجتهاد والمثابرة والثقة بالنفس.
5. الأسر
تلعب الأسر دورًا حاسمًا في مساندة أبنائها، وتوفير ظروف مناسبة للمراجعة، والانفتاح على المؤسسة التعليمية.
خامسًا: أهمية المراقبة المستمرة داخل مشروع مؤسسات الريادة
تعتبر المراقبة المستمرة واحدة من أهم آليات التدبير البيداغوجي الفعّال، لأنها:
تسمح بقياس التعلمات بشكل دوري وليس فقط في نهاية السنة؛
تساعد على كشف مكامن الضعف لدى المتعلمين في وقت مبكر؛
تسهم في وضع خطط دعم هادفة؛
تعزز مبدأ الجودة، لأنها تُقيّم المسار التعلمي بأكمله، وليس لحظة تقييمية واحدة.
وبالتالي، يمكن القول إن المرحلة الأولى من المراقبة ليست إجراءً عادياً، بل خطوة ذات بعد استراتيجي يتجاوز حدود الاختبارات نحو إرساء نموذج مؤسساتي قائم على المحاسبة والشفافية والتحسين المستمر.
سادسًا: التحديات المحتملة لتنزيل هذه المرحلة
رغم الأهمية البالغة للإجراء، إلا أن تنزيله قد يعرف بعض التحديات، من بينها:
الحاجة إلى جاهزية لوجستية كاملة داخل كل مؤسسة؛
ضرورة التزام جميع الأطراف بالسرية والمهنية؛
تفاوت الإمكانات بين المؤسسات، خاصة في العالم القروي؛
أهمية احترام البرمجة الزمنية بدقة؛
ضرورة مواكبة التلاميذ الذين يعانون من صعوبات في التعلّم.
مع ذلك، فإن الاشتغال وفق منهجية موحدة وتنسيق مستمر بين الأكاديميات والمديريات والمراكز الإقليمية يُعدّ ضمانة أساسية لتجاوز هذه التحديات.
سابعًا: استشراف أثر المرحلة الأولى من المراقبة على جودة التعليم
من المتوقع أن يُحدث هذا الإجراء عدة نتائج إيجابية، من أهمها:
1. تحسين مستوى المتعلمين
بفضل التقييم المنتظم والمتقن، ستصبح التعلمات أكثر دقة، وستظهر الفوارق بسرعة، مما يسمح بالتدخل العلاجي المناسب.
2. تعزيز ثقة الأسر في المدرسة العمومية
عندما يلمس أولياء الأمور شفافية في عملية التقييم، ونزاهة في النتائج، ستزداد ثقتهم في المنظومة التربوية.
3. تطوير النموذج التربوي للمؤسسات
ستصبح المؤسسات المندرجة ضمن “مؤسسات الريادة” نموذجًا مرجعيًا يمكن تعميمه لاحقًا على باقي المؤسسات.
4. تحسين عمل الإدارة التربوية
من خلال تخفيف الضغط عليها في ما يتعلق بإعداد المواضيع وتصحيحها، مما يتيح لها التركيز على ضبط الجودة والتنظيم.
5. ترسيخ ثقافة التقييم المستمر
وهي ثقافة أساسية في كل الأنظمة التعليمية الرائدة في العالم، لأنها تضمن ضبطًا مستمرًا لجودة التعلمات.
خاتمة
تشكل هذه المرحلة من المراقبة المستمرة خطوة مركزية في مسار إصلاح التعليم بالمغرب، ضمن رؤية شمولية تسعى إلى بناء مدرسة جديدة قادرة على تحقيق الجودة والإنصاف وتكافؤ الفرص.
إن تنظيم هذه المحطة وفق معايير دقيقة، وإسناد أدوار واضحة لكل الفاعلين، وتوحيد آليات التقويم على الصعيدين الجهوي والإقليمي، كلها عناصر تعكس رغبة قوية في إرساء نظام تربوي أكثر فعالية وشفافية.
ويبقى نجاح هذا الورش رهينًا بتضافر جهود الجميع: الإدارة، المدرس، المتعلم، الأسرة، والمجتمع. فالتعليم مشروع وطني جماعي، ومسؤولية مشتركة بين جميع مكونات الأمة.

