دور مديري المدارس الابتدائية في تنزيل الإصلاح التربوي بالمغرب: مقاربة جديدة لتعزيز جودة التعليم

يشهد قطاع التربية والتكوين في المغرب مرحلة مفصلية تؤسس لمرحلة جديدة من الإصلاحات التربوية التي تستهدف الارتقاء بجودة التعليم وتجويد خدمات المؤسسات التعليمية. وقد جاء التأكيد مجدداً على هذا المسار خلال اللقاء الذي نظمته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بشراكة مع منظمة اليونسكو، والذي سلّط الضوء على الدور المحوري الذي يجب أن يضطلع به مديرو المدارس الابتدائية في إنجاح هذه الدينامية الإصلاحية.

لقد شكّلت المناسبة فرصة لتجديد التزام المغرب بتطوير منظومته التربوية بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة ورؤية المغرب الاستراتيجية للتعليم، خاصة الإطار القانوني 51.17 وخارطة الطريق 2022-2026، اللذين يشكلان الإطار المرجعي للتحول التربوي خلال السنوات القادمة. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تعزيز كفاءات القيادة المدرسية باعتبارها إحدى الركائز الرئيسية لتحقيق التغيير المنشود.

أولاً: السياق العام للإصلاح التربوي

خلال السنوات الأخيرة، راهن المغرب على إطلاق إصلاحات عميقة في قطاع التعليم، مدفوعة بحاجته إلى الارتقاء بمستوى التعلمات واستجابة لمتطلبات العصر. وقد اعتمدت وزارة التربية الوطنية على رؤية استراتيجية تستند إلى:

  1. تحسين جودة التعلمات الأساسية

  2. تقليص الفوارق التعليمية بين الوسطين الحضري والقروي

  3. تعزيز تكافؤ الفرص في ولوج المعرفة

  4. تطوير مهارات الأجيال الناشئة

  5. تأهيل مؤسسات التعليم الأولي والابتدائي

كما اعتبرت الوزارة أن المؤسسة التعليمية هي القلب النابض لأي إصلاح، وأن المدير هو “قائد التغيير” داخل هذه المؤسسة. ولهذا، أصبح دور المدير لا يقتصر على التسيير الإداري بل يتجاوز ذلك إلى قيادة تربوية وتحفيزية تمكن من خلق بيئة تعليمية ناجحة.

وفي ضوء هذه التوجهات، قدمت منظمة اليونسكو عبر فريق “التقرير العالمي لرصد التعليم” (GEM Report) خلاصة دراسات دولية أبانت عن الأثر الكبير الذي يحدثه المديرون الأكفاء في تحسين أداء المدارس، خاصة عندما تكون لديهم المهارات القيادية والتربوية اللازمة.

ثانياً: المدير المدرسي كفاعل أساسي في الإصلاح

يؤكد الخبراء أن المدير الناجح لا يكتفي بتنفيذ التعليمات، بل يساهم في بلورة رؤية واضحة للعمل داخل المدرسة، ويقود فريقه نحو تحقيق الأهداف التربوية المحددة. وفي المغرب، تم وضع مجموعة من المهام الجديدة التي ينبغي للمدراء القيام بها خلال المرحلة المقبلة، من أبرزها:

1. قيادة التغيير داخل المدرسة

المدير هو الشخص المسؤول عن وضع خطط عمل سنوية تضمن تتبع التعلمات، معالجة التعثرات التعليمية، وتحسين نتائج التلاميذ في المواد الأساسية. كما عليه العمل على:

  • نشر ثقافة النجاح

  • خلق انسجام بين المدرسين

  • تعزيز العمل التربوي داخل الأقسام

  • تفعيل مشروع المؤسسة بشكل فعّال

هذا الدور يجعل المدير محورياً في ترجمة التوجهات الوطنية إلى ممارسات يومية داخل الفصول الدراسية.

2. تعزيز جودة التدريس

من بين التحديات الكبرى التي تعيق جودة التعليم، وجود تفاوت في الممارسات بين المدرسين. وهنا يأتي دور المدير في:

  • تشجيع الأساتذة على تبادل الخبرات

  • تنظيم لقاءات تربوية داخل المؤسسة

  • مواكبة المدرسين الجدد

  • تعزيز التكوين المستمر داخل المدرسة

وإدراكاً لهذه الأهمية، أكدت الوزارة أن التكوين الأساسي والمستمر للمديرين يجب أن يشمل جانباً مهماً من المهارات القيادية والتربوية.

3. ضمان الانفتاح على المجتمع المحلي

لا يمكن أن تنجح أي مدرسة دون إشراك المحيط السوسيو-اقتصادي. لذلك، يجب على المدير:

  • تعزيز التعاون مع جمعيات الآباء

  • الانفتاح على المجتمع المدني

  • إشراك الفاعلين المحليين في دعم الحياة المدرسية

هذه المقاربة المجتمعية أصبحت جزءاً من الإصلاحات الحديثة، لأنها تشجع على الانخراط الجماعي في تطوير المدرسة.

ثالثاً: أهم محاور الإستراتيجية الوطنية لتعزيز دور المديرين

خلال اللقاء المنظم من طرف وزارة التربية الوطنية واليونسكو، تم التركيز على أربعة محاور رئيسية تشكل أساس الاستراتيجية الوطنية لدعم مديري المدارس الابتدائية:


1. تحسين التكوين الأساسي والمستمر

من أجل التمكن من قيادة التغيير، يحتاج المديرون إلى تكوين متين يشمل:

  • المهارات الإدارية

  • قيادة المشاريع

  • تتبع جودة التعلمات

  • التواصل الفعّال

  • حل النزاعات المدرسية

  • الاستعمال التربوي للمعطيات الرقمية

وأوصى التقرير العالمي لرصد التعليم بضرورة تطوير تكوينات متنوعة وممرحلة تراعي احتياجات كل مدير حسب تجربته المهنية.

2. تعزيز دور المدير كقائد تربوي

أبرزت التجارب العالمية أن المدير الذي يمتلك رؤية تربوية واضحة يجعل من المدرسة فضاءً للتفاعل والعمل الجماعي. وتشمل مهمته التربوية:

  • مراقبة جودة التدريس

  • تتبع التقدم الدراسي للتلاميذ

  • تفعيل التوجيهات الرسمية

  • تنظيم أنشطة تعليمية وترفيهية

  • ضمان النظام والانضباط داخل المدرسة

هذه الممارسات تجعل المؤسسة التعليمية أكثر فعالية وقدرة على تحقيق التحسن المطلوب.

3. تطوير الدعم المقدّم من المديريات الجهوية والإقليمية

أشارت اليونسكو إلى أن المديرين يحتاجون إلى دعم دائم لتجاوز الصعوبات اليومية المرتبطة:

  • بتدبير الموارد البشرية

  • ضعف التجهيزات

  • نقص الوسائل التعليمية

  • إدارة الأزمات (مثل غياب الأساتذة)

ولذلك، اقترح التقرير توفير فرق دعم تربوي وإداري تعمل بشكل مواكب للمؤسسات، وتقدم الاستشارات والتوجيهات عند الحاجة

4. تعزيز الانخراط الأسري والمجتمعي

تعتبر شراكة المدرسة مع الأسر والمجتمع من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها. وقد أوصى التقرير بضرورة:

  • تنظيم أيام مفتوحة

  • تعزيز التواصل الرقمي بين المدرسة والأسر

  • تشجيع المبادرات المدنية داخل المدرسة

  • دعم الأنشطة الفنية والرياضية

هذه الإجراءات ستساهم في تعزيز ثقة الأسر في المدرسة العمومية.

رابعاً: حصيلة الإصلاحات الجارية 2022-2026

أبرزت وزارة التربية الوطنية أن المغرب سجل تقدماً مهماً منذ اعتماد خارطة الطريق الإصلاحية، خاصة في المجالات التالية:

  1. تعزيز التعليم الأولي عبر توسيع العرض وتحسين تكوين المربيات

  2. إرساء مشروع المؤسسة المندمج كأداة لتدبير الجودة

  3. تحسين التعلمات الأساسية عبر برامج دعم التلاميذ

  4. تطوير التكوينات الخاصة بالقيادة المدرسية

  5. إطلاق برامج تجريبية تعتمد على البيانات لتحسين الأداء

كما شهدت السنوات الأخيرة تعميم عدد من البرامج الرقمية التي سهّلت التتبع الإداري والبيداغوجي داخل المؤسسات التعليمية.

خامساً: تحديات المرحلة المقبلة

رغم التقدم المحقق، ما تزال هناك مجموعة من التحديات التي يجب التعامل معها من أجل ضمان نجاح الإصلاح التربوي، ومنها:

  • الفوارق بين الوسط القروي والحضري

  • نقص الموارد البشرية في بعض المناطق

  • الحاجة إلى توفير تجهيزات مدرسية أفضل

  • محدودية الميزانيات المخصصة لبعض البرامج

  • ضرورة تطوير التكوينات الرقمية للمديرين

وتعمل الوزارة على صياغة إجراءات جديدة لتجاوز هذه التحديات، بما في ذلك تعزيز الشراكات الدولية، خاصة مع اليونسكو.

سادساً: دور اليونسكو في دعم إصلاح التعليم بالمغرب

منذ سنوات، تعمل منظمة اليونسكو إلى جانب المغرب لدعم إصلاح منظومة التعليم، خصوصاً عبر:

  • تقديم تقارير علمية حول أداء التعليم

  • توفير تحليلات معمقة بناءً على البيانات الدولية

  • دعم مشاريع التربية غير النظامية

  • تنظيم دورات تدريبية لفائدة الأطر التربوية

  • مواكبة تنفيذ أهداف التنمية المستدامة في قطاع التعليم

ويُعد التقرير العالمي لرصد التعليم أحد أهم الأدوات المرجعية التي تعتمدها الوزارة لتقييم المنجزات وتحديد الأولويات.

خاتمة: نحو مدرسة مغربية أكثر فعالية وابتكاراً

يؤكد البلاغ الصادر عن وزارة التربية الوطنية واليونسكو أن النهوض بجودة التعليم في المغرب لن يتحقق دون تمكين القيادة المدرسية من الأدوات اللازمة لإنجاح مهامها. فالمدير هو حجر الأساس في أي إصلاح، وهو المسؤول عن تحويل السياسات الكبرى إلى ممارسات يومية تؤثر مباشرة على المتعلمين.

ومع اعتماد خارطة الطريق 2022-2026، يسير المغرب نحو تحسين جوهري وملموس في جودة المدرسة العمومية، من خلال:

  • دعم المدرسين

  • تعزيز الموارد

  • رقمنة الإدارة

  • تطوير التعلمات الأساسية

  • إشراك المجتمع

  • تأهيل المديرين تربوياً وإدارياً

إن طموح المغرب في جعل المدرسة فضاءً للجودة والإنصاف والارتقاء الاجتماعي يظل رهيناً بالاستثمار في الإنسان، وخاصة مديري المؤسسات التعليمية الذين يشكلون فعلاً قادة التغيير.

لمعاينة البلاغ كاملا يمكنك تحميل الملف أسفله: