المحطة الثانية لمنح علامة «مؤسسة الريادة» 2025 قراءة تحليلية في الأهداف، المنهجية، والرهانات التربوية لإصلاح المدرسة العمومية

مقدمة

تُعد المدرسة العمومية ركيزة أساسية في بناء المجتمعات وضمان تكافؤ الفرص وتحقيق التنمية المستدامة. وفي هذا الإطار، يواصل المغرب تنزيل إصلاحات تربوية كبرى تستهدف الرفع من جودة التعليم وتحسين مردودية المؤسسات التعليمية. ومن بين أبرز هذه المبادرات منح علامة «مؤسسة الريادة»، التي تشرف عليها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، باعتبارها آلية تحفيزية وتقييمية تروم الارتقاء بالأداء التربوي والإداري للمؤسسات التعليمية.

وفي سياق تفعيل هذه المبادرة، أعلنت الوزارة عن المحطة الثانية من عملية منح علامة «مؤسسة الريادة»، وفق بلاغ إخباري رسمي مؤرخ يوم السبت 13 دجنبر 2025، والذي يشكّل امتدادًا للبلاغ الصادر بتاريخ 4 دجنبر 2025. ويكشف هذا البلاغ عن توجه استراتيجي واضح يرمي إلى ترسيخ نموذج مؤسساتي قائم على الجودة، الحكامة، والابتكار التربوي.

يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة شاملة ومحللة لمضامين البلاغ، مع تسليط الضوء على أبعاده التربوية والتنظيمية، وانعكاساته على المدرسة العمومية، في انسجام تام مع خريطة الطريق الإصلاحية 2022-2026.

أولًا: الإطار العام لمبادرة «مؤسسة الريادة»

1. خلفية إطلاق العلامة

تندرج علامة «مؤسسة الريادة» ضمن سلسلة من الإصلاحات الهيكلية التي اعتمدتها وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بهدف إحداث نقلة نوعية في أداء المؤسسات التعليمية بسلكي التعليم الابتدائي والإعدادي.

وترتكز هذه المبادرة على مبدأ أساسي مفاده أن جودة التعليم تبدأ من المؤسسة التعليمية نفسها، باعتبارها الفضاء الذي تتقاطع فيه الممارسات البيداغوجية، التدبير الإداري، أدوار الأطر التربوية، وانخراط المتعلمين.

2. مرجعية البلاغ الإخباري

أكد البلاغ الإخباري أن هذه العملية تندرج في إطار التدابير الخاصة بمنح علامة «مؤسسة الريادة»، وأنها تأتي استكمالًا للمرحلة الأولى التي تم خلالها الإعلان عن لوائح الفوج الأول من المؤسسات الحاصلة على العلامة.

وقد شملت هذه المرحلة مؤسسات التعليم الابتدائي والإعدادي، حيث بلغت نسبة المؤسسات الحاصلة على العلامة 88% من مجموع المؤسسات المنخرطة رسميًا برسم السنة الدراسية 2024-2025، وهي نسبة تعكس انخراطًا واسعًا وإيجابيًا في هذا الورش الإصلاحي.

ثانيًا: المحطة الثانية لمنح علامة «مؤسسة الريادة» – الأهداف والمنهجية

1. موعد انطلاق المحطة الثانية

حسب البلاغ، أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أن المحطة الثانية من عملية منح علامة «مؤسسة الريادة» ستنطلق ابتداءً من 20 دجنبر 2025.

ويُبرز هذا التحديد الزمني حرص الوزارة على احترام جدولة دقيقة تضمن استمرارية الإصلاح، وعدم الاكتفاء بمنطق الإعلان الرمزي، بل الانتقال إلى مرحلة التتبع والتقويم الميداني.

2. الطابع الاستدراكي للمحطة الثانية

تتسم هذه المحطة بكونها استدراكية، حيث تستهدف المؤسسات المعنية التي لم يشملها الفوج الأول. ويُعد هذا التوجه مؤشرًا إيجابيًا يعكس:

  • اعتماد منطق الدعم بدل الإقصاء

  • منح فرص إضافية للمؤسسات لتحسين أدائها

  • ترسيخ ثقافة التقويم المستمر بدل الأحكام النهائية

3. الزيارات الميدانية كآلية أساسية

أبرز ما يميز هذه المحطة هو اعتماد الزيارات الميدانية التي ستقوم بها فرق بحث مختصة، حيث ستعمل هذه الفرق على:

  • زيارة المؤسسات التعليمية المعنية

  • الوقوف على مستوى تنزيل معايير «مؤسسة الريادة»

  • جمع المعطيات الميدانية الدقيقة المرتبطة بهذه العملية

وتُعد هذه المنهجية من أنجع الآليات لضمان مصداقية التقييم، إذ تنقل عملية منح العلامة من مستوى الوثائق والتقارير إلى مستوى الممارسة الفعلية داخل المؤسسة.

ثالثًا: «مؤسسة الريادة» في صلب خريطة الطريق 2022-2026

1. الارتباط بخريطة الطريق الإصلاحية

أكد البلاغ أن علامة «مؤسسة الريادة» تندرج ضمن التنزيل الأمثل للأهداف الاستراتيجية لخريطة الطريق 2022-2026، والتي تحمل شعارًا دالًا:
«من أجل مدرسة عمومية ذات جودة».

وتسعى هذه الخريطة إلى إحداث تحول عميق في منظومة التعليم، من خلال الانتقال من إصلاحات جزئية إلى إصلاح بنيوي شامل.

2. منطق الجودة الشاملة

تقوم فلسفة «مؤسسة الريادة» على تبني منطق الجودة الشاملة، الذي لا يختزل الجودة في النتائج الدراسية فقط، بل يشمل:

  • جودة التعلمات

  • جودة التدبير

  • جودة العلاقات داخل المؤسسة

  • جودة البيئة المدرسية

وبذلك تتحول المؤسسة التعليمية إلى فضاء محفز على التعلم، الإبداع، والانتماء.

رابعًا: محاور نموذج «مؤسسات الريادة»

أوضح البلاغ أن نموذج «مؤسسات الريادة» يرتكز على ثلاثة محاور أساسية، تشكل مجتمعة الأساس العملي لهذا المشروع الإصلاحي.

1. محور التلميذات والتلاميذ

يضع هذا المحور المتعلم في قلب العملية التربوية، من خلال:

  • تحسين جودة التعلمات الأساسية

  • دعم التعلم النشط والتفاعلي

  • معالجة التعثرات الدراسية

  • تعزيز الشعور بالأمان والانتماء داخل المؤسسة

فالهدف النهائي هو تلميذ متعلم، مندمج، وقادر على بناء مشروعه الشخصي.

2. محور الأستاذات والأساتذة

لا يمكن الحديث عن مؤسسة رائدة دون تمكين فعلي للأطر التربوية. ويشمل هذا المحور:

  • توفير وسائل العمل البيداغوجية الملائمة

  • تحسين ظروف العمل داخل المؤسسة

  • دعم التطوير المهني المستمر

  • تشجيع العمل الجماعي وتبادل الخبرات

ويهدف ذلك إلى تمكين الأستاذ(ة) من أداء مهامه التربوية بكفاءة وفاعلية.

3. محور المؤسسة التعليمية

يركز هذا المحور على المؤسسة باعتبارها وحدة تنظيمية وتربوية متكاملة، من خلال:

  • تحسين الحكامة والتدبير الإداري

  • تعزيز القيادة التربوية

  • خلق بيئة مدرسية داعمة للتعلم

  • تشجيع الانفتاح على المحيط والشركاء

ويُسهم هذا المحور في جعل المؤسسة التعليمية فاعلًا محوريًا في التنمية المحلية.

خامسًا: دلالات وأبعاد منح علامة «مؤسسة الريادة»

1. التحفيز بدل العقاب

تعكس هذه المبادرة انتقال الوزارة من منطق التقويم الزجري إلى منطق التحفيز والتشجيع، حيث تُمنح العلامة كمكافأة على الجهود المبذولة، لا كأداة للإقصاء.

2. ترسيخ ثقافة التميز

يساهم هذا المشروع في نشر ثقافة التميز والجودة داخل المؤسسات التعليمية، ويحفز الأطر التربوية والإدارية على تطوير أدائها بشكل مستمر.

3. تعزيز الثقة في المدرسة العمومية

من خلال تحسين جودة الأداء المؤسسي، تسهم «مؤسسة الريادة» في استعادة الثقة المجتمعية في المدرسة العمومية، باعتبارها فضاءً للتعلم الجيد والتنشئة السليمة.

سادسًا: التحديات والرهانات المستقبلية

رغم أهمية هذه المبادرة، فإن تنزيلها يظل مرتبطًا بعدد من التحديات، من بينها:

  • ضمان تكافؤ الفرص بين المؤسسات في مختلف الجهات

  • توفير الموارد البشرية والمادية الكافية

  • استمرارية التتبع والتقويم

  • تفادي تحويل العلامة إلى إجراء شكلي

غير أن تجاوز هذه التحديات كفيل بجعل «مؤسسة الريادة» رافعة حقيقية لإصلاح التعليم.

خاتمة

تشكل المحطة الثانية لمنح علامة «مؤسسة الريادة» لسنة 2025 خطوة نوعية في مسار إصلاح المدرسة العمومية بالمغرب. فهي لا تكتفي بتكريس منطق التقييم، بل تؤسس لثقافة جديدة قوامها الجودة، الحكامة، والعمل الجماعي.

ومن خلال اعتماد الزيارات الميدانية، وربط المبادرة بخريطة الطريق 2022-2026، وتركيزها على التلميذ، الأستاذ، والمؤسسة، تؤكد وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة التزامها بإرساء مدرسة عمومية ذات جودة، منصفة، وقادرة على الاستجابة لتحديات المستقبل.

لمعاينة البلاغ كاملا يمكنك تحميل الملف أسفله: