التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بالسلك الثانوي التأهيلي
مقدمة
تُعد مادة الفلسفة من الركائز الأساسية في المنظومة التربوية المغربية، لما لها من دور محوري في تنمية التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على التحليل والمساءلة، وترسيخ قيم الحوار والعقلانية. وقد جاء منهاج تدريس الفلسفة في سلك التعليم الثانوي التأهيلي، كما ورد في الوثيقة الرسمية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية سنة 2007، ليؤطر تدريس هذه المادة وفق رؤية تربوية واضحة، تستجيب للتحولات المعرفية والبيداغوجية، وتنسجم مع الاختيارات الكبرى للإصلاح التربوي.

أولًا: الإطار العام لتدريس مادة الفلسفة في التعليم الثانوي التأهيلي
1. مكانة الفلسفة في المنهاج الدراسي
تُدرَّس مادة الفلسفة في السنتين الأولى والثانية من سلك التعليم الثانوي التأهيلي، وتشكل مكونًا معرفيًا ومنهجيًا يهدف إلى تمكين المتعلم من أدوات التفكير العقلاني، والتعامل النقدي مع القضايا الفكرية والإنسانية.
وتنطلق التوجيهات التربوية من اعتبار الفلسفة ممارسة فكرية أكثر من كونها مجرد رصيد معرفي، وهو ما يقتضي تجاوز الحفظ والاستظهار نحو التحليل والمقارنة وبناء الإشكال.
2. المرجعيات المؤطرة للمنهاج
يرتكز منهاج الفلسفة على مجموعة من المرجعيات، من أبرزها:
الميثاق الوطني للتربية والتكوين
الاختيارات التربوية الكبرى للدولة
التوجهات الحديثة في تعليم الفلسفة
القيم الكونية لحقوق الإنسان
خصوصيات المتعلم المغربي وحاجاته الفكرية
وتسعى هذه المرجعيات إلى تحقيق التوازن بين الانفتاح على الفكر الفلسفي الإنساني، وترسيخ الهوية الثقافية الوطنية.
ثانيًا: الأهداف التربوية لتدريس مادة الفلسفة
1. الأهداف العامة
يهدف تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي التأهيلي إلى:
تنمية التفكير النقدي والعقلاني
تدريب المتعلم على بناء الإشكال الفلسفي
اكتساب مهارات التحليل والمقارنة والتركيب
ترسيخ قيم الحوار والتسامح والاختلاف
تعزيز القدرة على اتخاذ موقف معلل
2. الأهداف الخاصة
على المستوى الإجرائي، تسعى المادة إلى تمكين المتعلم من:
فهم القضايا الفلسفية الكبرى المرتبطة بالإنسان والمجتمع والمعرفة
تحليل النصوص الفلسفية وتحويلها إلى موضوع تفكير
توظيف المفاهيم الفلسفية في سياقات مختلفة
إنتاج خطاب فلسفي حجاجي منظم
ثالثًا: مكونات منهاج الفلسفة في التعليم الثانوي التأهيلي
1. المجزوءات الفلسفية
ينظم منهاج الفلسفة حول مجزوءات كبرى تشكل محاور تفكير مركزية، من قبيل:
مجزوءة الوضع البشري
مجزوءة المعرفة
مجزوءة الأخلاق
مجزوءة السياسة
مجزوءة الفن
وتهدف هذه المجزوءات إلى مقاربة الإشكالات الأساسية التي شغلت الفكر الفلسفي عبر تاريخه.
2. المفاهيم الفلسفية
تُعد المفاهيم حجر الزاوية في تدريس الفلسفة، إذ يتم الاشتغال على مفاهيم مركزية مثل:
الشخص
الغير
الحرية
الحقيقة
الواجب
العدالة
الدولة
ويُراعى في تقديم المفاهيم التدرج والنسقية، مع ربطها بالإشكالات والأسئلة المحفزة على التفكير.
3. القضايا والإشكالات
يركز المنهاج على بناء الدرس الفلسفي انطلاقًا من إشكال مركزي، يُطرح في صيغة سؤال مفتوح، يسمح بتعدد الأجوبة والمواقف، ويشجع المتعلم على التفكير المستقل.
رابعًا: المقاربة الديداكتيكية لتدريس الفلسفة
1. المقاربة الإشكالية
تعتمد التوجيهات التربوية مقاربة إشكالية تجعل من السؤال مدخلًا أساسيًا لبناء التعلم، حيث يتم:
طرح وضعية مشكلة
صياغة إشكال فلسفي
تحليل الأطروحات المتعارضة
بناء موقف شخصي معلل
2. الاشتغال على النص الفلسفي
يحتل النص الفلسفي مكانة مركزية في المنهاج، ويتم توظيفه بوصفه:
مادة للتفكير والتحليل
وسيلة لاكتساب المفاهيم
نموذجًا للحجاج الفلسفي
ويُشدد المنهاج على ضرورة تنويع النصوص، من حيث العصور والمدارس الفلسفية.
3. تنمية الكفايات المنهجية
يسعى تدريس الفلسفة إلى تطوير كفايات أساسية، منها:
كفاية التحليل
كفاية المحاججة
كفاية التركيب
كفاية التعبير الكتابي والشفهي
خامسًا: التقويم في مادة الفلسفة
1. مبادئ التقويم
يرتكز التقويم في مادة الفلسفة على مبادئ أساسية، من بينها:
الاستمرارية
الشمولية
الموضوعية
الارتباط بالكفايات
2. أدوات التقويم
تتنوع أدوات التقويم لتشمل:
الفروض المحروسة
الإنشاء الفلسفي
تحليل النصوص
الأسئلة الإشكالية
التقويم التكويني والدعم
ويهدف التقويم إلى قياس مدى تمكن المتعلم من مهارات التفكير الفلسفي، لا مجرد حفظ المعارف.
سادسًا: دور الأستاذ في تفعيل منهاج الفلسفة
يضطلع أستاذ الفلسفة بدور محوري في إنجاح المنهاج، حيث يُنتظر منه:
تيسير التعلم بدل تلقينه
تشجيع النقاش والحوار
احترام تعدد الآراء
توجيه المتعلم نحو التفكير المستقل
توظيف بيداغوجيات نشيطة
سابعًا: تحديات وآفاق تطوير تدريس الفلسفة
1. التحديات
من أبرز التحديات التي تواجه تدريس الفلسفة:
ضعف الرصيد اللغوي لدى المتعلمين
صعوبة المفاهيم الفلسفية
الاكتظاظ داخل الأقسام
محدودية الزمن المدرسي
2. آفاق التطوير
لتجاوز هذه التحديات، يقترح المنهاج:
توظيف الوسائط الرقمية
ربط الفلسفة بقضايا الواقع
تنويع الوضعيات التعلمية
تعزيز التكوين المستمر للأساتذة
خاتمة
يشكل منهاج تدريس مادة الفلسفة في التعليم الثانوي التأهيلي إطارًا مرجعيًا متكاملًا يهدف إلى بناء متعلم مفكر، ناقد، وقادر على المشاركة الواعية في المجتمع. ومن خلال التوجيهات التربوية والبرامج الرسمية، يتضح أن الفلسفة ليست مادة نظرية جامدة، بل ممارسة تربوية تسهم في تكوين شخصية المتعلم فكريًا وقيميًا.
إن تفعيل هذا المنهاج يظل رهينًا بمدى وعي الفاعلين التربويين بأهميته، وقدرتهم على تحويله إلى ممارسة صفية حية، تُنمي العقل، وتُعلي من قيمة السؤال، وتُرسخ ثقافة التفكير.
