التوجيهات التربوية لتدريس مادة الترجمة بسلك البكالوريا: الإطار، الأهداف، والرهانات البيداغوجية

مقدمة :

أصبحت الترجمة في المنظومة التربوية المغربية رافعة أساسية لتنمية الكفايات اللغوية والمعرفية لدى المتعلمين، خاصة في التعليم الثانوي التأهيلي. ولم يعد تدريس مادة الترجمة مجرد نشاط لغوي تقني، بل تحول إلى ممارسة تربوية ذات أبعاد ثقافية، معرفية، وتواصلية، تسهم في إعداد المتعلم لمواصلة دراسته العليا أو الاندماج في محيطه الاجتماعي والمهني.
وانطلاقًا من هذا التصور، جاءت التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الترجمة بسلك البكالوريا لتؤطر هذه المادة من حيث الأهداف، المضامين، المنهجيات، وطرائق التقويم، في انسجام تام مع اختيارات الميثاق الوطني للتربية والتكوين والوثيقة الإطار لمراجعة المناهج

أولًا: الإطار العام لمنهاج مادة الترجمة

1. مرجعيات تدريس الترجمة في التعليم الثانوي التأهيلي

يتأسس منهاج مادة الترجمة بسلك البكالوريا على الاختيارات الكبرى للسياسة اللغوية والتربوية بالمغرب، والتي تؤكد على:

  • تعزيز اللغة العربية لغةً للعلم والمعرفة.

  • تدعيم اللغات الأجنبية، خاصة الفرنسية، باعتبارها لغة انفتاح علمي.

  • الانفتاح على الثقافات الإنسانية وتشجيع الحوار وقبول الاختلاف.

  • تشجيع حركة الترجمة والتأليف ونقل المعارف العلمية والتكنولوجية إلى العربية بلغة دقيقة وواضحة

  • .

وتُدرج مادة الترجمة ضمن هذا السياق باعتبارها أداة استراتيجية لبناء تلميذ منفتح، قادر على الفهم والتحليل وإعادة الصياغة، ومؤهل لمواكبة التحولات العلمية والمعرفية.

2. مواصفات المتعلم في نهاية سلك البكالوريا

يساهم تدريس مادة الترجمة في تحقيق مجموعة من الكفايات الأساسية لدى المتعلم، من أبرزها:

  • التمكن من اللغة العربية والقدرة على التواصل باللغات الأجنبية.

  • القدرة على فهم الخطاب العلمي وتحليله ونقده.

  • امتلاك رصيد معرفي وثقافي يؤهله للمشاركة في النهضة العلمية والثقافية.

  • إعداد مشروع شخصي للدراسة أو الاندماج في الحياة العملية

ثانيًا: تنظيم تدريس مادة الترجمة بسلك البكالوريا

1. الغلاف الزمني والوحدات الدراسية

يُدرَّس مقرر الترجمة في الشعب العلمية (العلوم التجريبية والعلوم الرياضية) وفق نظام الوحدات، حيث:

  • تُخصص ساعتان أسبوعيتان لتدريس المادة في كل مستوى.

  • يتكون البرنامج من أربع وحدات موزعة على سنتي البكالوريا.

  • تمتد كل وحدة على 34 ساعة تقريبًا، بمعدل 17 أسبوعًا لكل وحدة

  • .

2. توزيع الوحدات حسب المستويات

  • السنة الأولى بكالوريا:

    • الوحدة الأولى: الدعم اللغوي المزدوج.

    • الوحدة الثانية: فهم الخطاب العلمي في أفق الترجمة.

  • السنة الثانية بكالوريا:

    • الوحدة الثالثة: التمرن على تقنيات إعادة التعبير.

    • الوحدة الرابعة: التمرن على تقنيات الإنتاج الكتابي ومنهجيات التقويم.

ثالثًا: الأسس الديدكتيكية والممارسة البيداغوجية لمادة الترجمة

1. طبيعة درس الترجمة وأهميته

يُعد درس الترجمة مجالًا خصبًا لاكتساب:

  • الحس التحليلي والنقدي.

  • الدقة في اختيار المفردات والتراكيب.

  • الوعي بالاختلافات اللغوية والثقافية بين العربية واللغة الأجنبية.

كما يُسهم في تمكين المتعلم من آليات اشتغال اللغة في مستوياتها المعجمية والصرفية والتركيبية والأسلوبية، ويجعله فاعلًا في إنتاج المعرفة لا مجرد متلقٍّ لها

.

2. النماذج البيداغوجية المعتمدة في تدريس الترجمة

يعتمد منهاج الترجمة على نموذجين تكامليين:

  • النموذج المقارن: يُستثمر أساسًا في السنة الأولى لترسيخ الدعم اللغوي المزدوج، وتعميق معرفة المتعلم ببنيات اللغتين.

  • النموذج التأويلي: يُعتمد في مرحلة لاحقة، ويركز على الفهم العميق للنص وإعادة صياغته وفق السياق والمعنى المقصود.

رابعًا: الكفايات العامة والنوعية في مادة الترجمة

1. الكفايات العامة

يسعى تدريس الترجمة إلى تنمية كفايات متعددة لدى المتعلم، من أهمها:

  • الكفاية التواصلية.

  • الكفاية المنهجية في التفكير وتنظيم التعلم.

  • الكفاية الثقافية والعلمية.

  • الكفاية التكنولوجية عبر توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال

  • .

2. الكفايات النوعية

لا يقتصر أثر الترجمة على الجانب اللغوي، بل يمتد إلى كفايات نوعية مثل:

  • كفاية فهم الخطاب العلمي.

  • كفاية التعبير المزدوج.

  • كفاية النقل البيلغوي.

  • كفاية التقويم والتعلم الذاتي.

خامسًا: طرق وأشكال العمل الديدكتيكي

1. تنويع الأنشطة التعليمية

تؤكد التوجيهات التربوية على ضرورة:

  • تنويع الوسائل والأنشطة التعليمية.

  • مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين.

  • الانتقال من التلقين إلى التعلم النشط القائم على التحليل وحل المشكلات.

2. دور المتعلم والأستاذ

  • يصبح المتعلم محور العملية التعليمية، مشاركًا في بناء معارفه.

  • يتحول الأستاذ إلى موجِّه وميسر للتعلم، يخلق وضعيات تعليمية محفزة على التفكير والنقد.

سادسًا: الكتاب المدرسي في مادة الترجمة

يُنظر إلى الكتاب المدرسي باعتباره أداة ديدكتيكية داعمة، لا بديلاً عن المنهاج. ويُفترض توظيفه:

  • في بناء وضعيات إشكالية.

  • في تنمية التفكير والتأمل.

  • في إدماج المكتسبات السابقة في تعلم جديد.

سابعًا: تقويم تعلم الترجمة

1. مبادئ التقويم

يرتكز التقويم في مادة الترجمة على:

  • تنويع أدوات التقويم.

  • تغطية مختلف الكفايات المستهدفة.

  • اعتماد معايير دقيقة وموحدة للحكم على مستوى التمكن.

2. أنواع التقويم

  • التقويم التشخيصي: لرصد المكتسبات القبلية والصعوبات.

  • التقويم التكويني والمراقبة المستمرة: لمواكبة التعلم وتصحيحه.

  • التقويم الإجمالي: للحكم على مدى تحقق الأهداف المسطرة.

ثامنًا: أنشطة الدعم والأنشطة المدمجة

تشدد التوجيهات على أهمية:

  • أنشطة الدعم لتجاوز التعثرات.

  • الأنشطة المدمجة التي تنمي البحث، التوثيق، والعمل الجماعي.

  • تشجيع المتعلمين على إنتاج عروض وملفات موضوعاتية ذات صلة بالمقررات.

خاتمة

إن مادة الترجمة بسلك البكالوريا ليست مادة ثانوية أو هامشية، بل تشكل ركيزة أساسية في بناء متعلم مزدوج اللغة والثقافة، قادر على الفهم، التحليل، وإنتاج الخطاب العلمي بدقة ووعي.
وتبرز التوجيهات التربوية لتدريس مادة الترجمة رؤية إصلاحية متقدمة تجعل من هذه المادة أداة استراتيجية لتحقيق الجودة في التعليم، وتعزيز مكانة اللغة العربية، والانفتاح المتوازن على اللغات والثقافات الأجنبية، في أفق إعداد جيل قادر على المساهمة الفعالة في تنمية المجتمع المغربي.

لمعاينة وتحميل التوجيهات التربوية لمادة الترجمة بالسلك الثانوي التأهيلي من هنا.