مسابقة الروبوتات التربوية في السلك الثانوي الإعدادي بالمغرب: رؤية جديدة لترسيخ الإبداع وتنمية الكفاءات التقنية لدى المتعلمين
تشهد المنظومة التربوية المغربية تطوراً متسارعاً في السنوات الأخيرة، خصوصاً في ما يتعلق بإدماج التكنولوجيا والابتكار داخل الفضاء المدرسي. وبعد الإصلاحات التربوية الواسعة والبرامج التي تستهدف تجويد التعلمات وتعزيز مكانة المواد العلمية، تبرز مسابقة الروبوتات التربوية في السلك الثانوي الإعدادي كإحدى المبادرات النوعية التي تُترجم رؤية وزارة التربية الوطنية الهادفة إلى دمج التكنولوجيات الحديثة في التعليم، وتشجيع الإبداع لدى التلميذات والتلاميذ، وإعدادهم لمهن المستقبل.
المذكرة الوزارية التي تناولت تنظيم هذه المسابقة برسم الموسم الدراسي 2025-2026 تؤكد بوضوح أن هذا الورش لا يمثل مجرد نشاط موازٍ، بل هو مشروع تربوي استراتيجي يهدف إلى تنمية المهارات التقنية، وترسيخ روح المبادرة، وتعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي بالمؤسسات التعليمية. ويأتي تنظيم هذه المسابقة في إطار رؤية شمولية تجعل من التكنولوجيا عنصراً محورياً داخل المدرسة المغربية، وتمنح للمتعلمين فرصة الاحتكاك بالتقنيات الحديثة وصقل مواهبهم في مجالات الهندسة والبرمجة والذكاء الاصطناعي.
سياق إطلاق مسابقة الروبوتات التربوية
توضح الوثيقة الرسمية أن تنظيم هذه المسابقة يأتي تنفيذاً لمقتضيات تنظيم السنة الدراسية 2025/2026، وفي إطار مفهوم “تشجيع التميز” الذي تسهر الوزارة على تعزيزه داخل المؤسسات التعليمية. ويأتي هذا المشروع استجابة لعدة دوافع تربوية وفكرية، أبرزها:
1. تعزيز مواكبة التطور التكنولوجي العالمي
لقد أصبح استخدام التكنولوجيا والبرمجة والروبوتات جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، وتحوّل الإلمام بها إلى مهارة أساسية لا تقل أهمية عن القراءة والرياضيات. ومن هذا المنطلق، فإن تمكين المتعلم المغربي من الانخراط في هذا العالم الجديد يساهم في تنمية قدراته وتأهيله للمستقبل.
2. تشجيع الإبداع والابتكار داخل الفصول الدراسية
خلال السنوات الأخيرة، أصبح التركيز على تنمية الحس الابتكاري لدى المتعلمين جزءاً من رؤية الوزارة. فالروبوتيك يشجع المتعلم على التفكير البنّاء، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، وإدارة المشاريع—all skills crucial for their future careers.
3. تجويد التعلمات في مادة التكنولوجيا الصناعية
تُعتبر مادة التكنولوجيا من المواد العملية الأساسية التي تعزز الفهم التطبيقي لدى المتعلم. وتوفر المسابقة فرصة لتحويل التعلمات النظرية إلى مشاريع ملموسة عبر تصميم نماذج روبوتية وتنفيذها وفق مراحل منهجية دقيقة.
4. تحفيز المتفوقين علمياً وتقنياً
تشير الوثيقة إلى أن المسابقة تستهدف بشكل خاص التلميذات والتلاميذ المتفوقين والمهتمين بالعلوم والتكنولوجيا، مما يسهم في دعم التميز العلمي داخل السلك الإعدادي.
الأهداف التربوية للمسابقة
تستعرض المذكرة الرسمية مجموعة من الأهداف التربوية التي تُبرز قيمة هذا المشروع، ويمكن تلخيصها وتوسيعها فيما يلي:
1. ترسيخ قيم المبادرة والتنافس الإيجابي
يُعتبر التنافس غير السلبي إحدى الآليات التي تحفز المتعلم على بذل جهد إضافي، وهو ما يعزز ثقته بنفسه ويقوي حس المسؤولية لديه، سواء عند العمل في فرق أو عند تقديم مشروع فردي.
2. تعزيز القدرات العلمية والتقنية في سن مبكرة
تشكل المرحلة الإعدادية فترة حاسمة في بناء التوجهات المستقبلية للتلاميذ، وبالتالي فإن تعريضهم مبكراً لتجارب عملية في البرمجة والابتكار يدعم خياراتهم المستقبلية، خصوصاً في المسارات العلمية.
3. دعم الجودة في تنفيذ المنهاج الدراسي
بدلاً من أن تبقى مفاهيم مادة التكنولوجيا حبيسة الدروس النظرية، تمنح المسابقة فرصة لترجمة هذه المفاهيم على أرض الواقع عبر مشاريع تطبيقية.
4. تنمية مهارات القرن 21
مثل:
التفكير النقدي والمنطقي
حل المشكلات
التعاون والعمل الجماعي
إدارة الوقت والمشاريع
الإبداع والتصميم
التواصل والعرض الشفهي
5. توجيه المتعلمين نحو مسالك علمية وتكنولوجية مستقبلية
تسعى المسابقة إلى خلق علاقة إيجابية بين المتعلم ومواد العلوم والرياضيات والتكنولوجيا، مما يسهم في دفعه لاختيار مسارات دراسية أكثر تخصصاً في الثانوي والجامعة.
مجالات المشاركة في المسابقة
توضح الوثيقة أن المسابقة مفتوحة لتلميذات وتلاميذ السلك الثانوي الإعدادي في المؤسسات التعليمية العمومية والخاصة. وتغطي مجالات المشاركة محاور كبرى من برنامج التكنولوجيا، خاصة تلك المتعلقة:
بالابتكار التقني
بالبرمجة
بتركيب الدوائر الإلكترونية
بالتحكم في الروبوتات
بتصميم نماذج تشتغل وفق الخوارزميات
وتشدد المذكرة على ضرورة اعتماد مقاربة “الحلقة السوداء” التي تركز على تجاوز التعلمات النظرية نحو بناء مشروع عملي متكامل.
تكوين الفرق
يتم تشكيل فريق من تلميذين اثنين يشرف عليه أستاذ مادة التكنولوجيا بالمؤسسة. ويُشترط أن يكون الفريق من نفس المستوى الدراسي، ما يعزز الانسجام في العمل والقدرة على تحمل المهام بشكل متوازن.
مسطرة المشاركة والتقييم
تنظم مسابقة الروبوتات التربوية عبر ثلاث مراحل أساسية:
المرحلة الأولى: التعبير عن المشاركة
يُطلب من المؤسسات تعبئة بطاقة المشاركة الرسمية وإرسالها عبر البريد الإلكتروني قبل التاريخ المحدد.
المرحلة الثانية: الانتقاء الأولي للمشاريع
يُنجز كل فريق ملفاً تقنياً يبرز فيه فكرة المشروع، مراحله، المكونات المستعملة، وطريقة بناء النموذج. كما يرفق الفريق فيديو قصيراً لتقديم المشروع.
المرحلة الثالثة: العرض النهائي
خلال هذه المرحلة، يعمل الفريق على تقديم مشروعه أمام لجنة التقييم، بما يشمل:
النموذج الروبوتي المنجز
دفتر التحملات
العرض الشفهي
التبرير التقني
الابتكار المدمج داخل المشروع
وتهدف هذه المرحلة إلى قياس قدرة المتعلم على الدفاع عن مشروعه وشرح خطوات تصميمه بوضوح.
دور الإشراف التربوي وأطر المؤسسات التعليمية
تلعب فرق الإدارة والأساتذة دوراً أساسياً في إنجاح هذه المسابقة، خصوصاً من خلال:
توفير التأطير التقني والبيداغوجي
توجيه المتعلمين في كل مرحلة من مراحل الإعداد
تعزيز بيئة العمل داخل الورشات المدرسية
تشجيع روح الابتكار ومصاحبة الفرق المشاركة
إضافة إلى ذلك، تساهم الأكاديميات الجهوية في عملية التنسيق وضمان احترام آجال المشاركة، كما تعمل على تنظيم الدوريات المحلية قبل الانتقاء الوطني.
أهمية المسابقة في تطوير التعلمات داخل المدرسة المغربية
يمكن اعتبار مسابقة الروبوتات أحد أهم المشاريع التعليمية التي يمكن أن تُحدث تحولاً في طريقة تدريس التكنولوجيا داخل المؤسسات، وذلك لعدة أسباب:
1. الانتقال من التعلم النظري إلى التعلم بالمشاريع
تعتمد المسابقة منهجية المشروع، وهي مقاربة تربوية عالمية تقوم على الإنجاز الفعلي بدل الحفظ والتلقين.
2. تعزيز ثقافة البحث العلمي
من خلال تحليل المشكلات، وتصميم الحلول، واختبار النماذج، يصبح المتعلم أقرب إلى ممارسات البحث العلمي.
3. إدماج التكنولوجيا الحديثة داخل المؤسسة
الروبوتات والبرمجة والدوائر الإلكترونية تقنيات أساسية في الثورة الصناعية الرابعة، وبالتالي فإن إدماجها مبكراً داخل المدرسة هو خيار استراتيجي للمغرب.
4. دعم التنافس الجهوي والوطني
يساهم تنظيم المسابقة على مستوى الأكاديميات في خلق دينامية تربوية بين المؤسسات وتحفيزها على الإبداع.
5. الإعداد لسوق الشغل
المهن المستقبلية أصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على البرمجة والذكاء الاصطناعي والأتمتة الصناعية، وهو ما يجعل هذا النوع من المشاريع فرصة لتأهيل جيل جديد قادر على التفاعل مع متطلبات الغد.
أثر المسابقة على المتعلمين
لا تقتصر فوائد المسابقة على تطوير المهارات التقنية فقط، بل تتعداها إلى:
1. بناء الشخصية والثقة بالنفس
حين يقف المتعلم أمام لجنة لتقديم مشروعه، فإنه يطور مهارات العرض والتواصل والدفاع عن الأفكار.
2. تعلم العمل التعاوني
فريقان أو أكثر يعملون بتنسيق من أجل تنفيذ نموذج واحد، مما ينمّي روح الفريق.
3. تعزيز الانضباط والمسؤولية
لأن المشروع يخضع لآجال محددة، وتقسيم للمهام، وتخطيط مسبق.
4. اكتشاف المواهب العلمية
تُظهر المنافسة مجموعة من المواهب التي يمكن دعمها وتوجيهها نحو مسارات علمية متقدمة.
تحديات قد تواجه تنفيذ المسابقة
على الرغم من أهمية المبادرة، إلا أن هناك بعض التحديات التي يمكن أخذها بعين الاعتبار:
نقص المعدات والموارد في بعض المؤسسات
الحاجة إلى تكوينات إضافية للأساتذة
الوقت المحدود داخل الحصص الدراسية لإنجاز المشاريع
تفاوت الخبرات التقنية بين المؤسسات
إلا أن هذه التحديات قابلة للتجاوز من خلال دعم الأكاديميات، وتبادل الخبرات بين المؤسسات، والاستفادة من طاقات المجتمع المدني.
مراحل المشاركة في المسابقة
تنقسم المسابقة إلى ثلاث مراحل رئيسية:
1. المرحلة الأولى: التعبير عن المشاركة
تشمل:
تعبئة بطاقة المشاركة
إرسالها للجهات المعنية قبل 15 يناير 2026
وتهدف هذه المرحلة إلى حصر عدد المتقدمين
2. المرحلة الثانية: الانتقاء التقني للملفات
تُعد هذه المرحلة جوهرية، وتشمل:
أ. إرسال الملف التقني
يُرسل:
نسخة ورقية عبر السلم الإداري
نسخة رقمية مرفقة بفيديو توضيحي
قبل 27 مارس 2026.
ب. معايير تقييم الملف التقني
تشمل:
مدى الالتزام بأهداف المادة
احترام مراحل المنهاج
احترام دفتر التحملات
جودة التصميم الهندسي
القدرة على توظيف المفاهيم التقنية
انسجام المشروع مع التوجهات التربوية
ج. لجنة التقييم
تتكون من:
ممثل عن المركز الوطني للامتحانات والتقويم
عضو من جمعية تنمية التكنولوجيا
مفتشين اثنين في المادة
أستاذ جامعي متخصص في العلوم والتكنولوجيا
د. الانتقاء النهائي
تنتهي اللجنة بإعداد لائحة من 12 فريقًا كحد أقصى، يتم إشعارهم بتاريخ 14 أبريل 2026
3. المرحلة الثالثة: العروض والاختبارات التطبيقية
تمثل هذه المرحلة التنافس الفعلي بين الفرق المتأهلة، وتشمل:
أ. العروض الشفوية
تقدم الفرق عروضًا تُبرز:
فكرة المشروع
منهجية التصميم
مبررات الاختيارات التقنية
ب. الحصص التطبيقية
يتم اختبار الروبوتات في مهام عملية لقياس:
دقة الإنجاز
الاستجابة البرمجية
جودة التصميم
صلابة التركيب
ج. التقييم النهائي
يعتمد على:
العرض الشفوي
تنفيذ البرمجة
التصميم الصناعي
التجديد والابتكار
الجوائز والتتويج
1. ترتيب الفرق
يتم تحديد الفرق الفائزة اعتمادًا على مجموع النقاط المحصل عليها.
2. الجوائز
تُمنح:
شهادات تقديرية للفرق الثلاثة الأولى
جوائز تشجيعية
تذكارات للفرق المشاركة
تنويهات للأساتذة المشرفين
أهمية المسابقة في تطوير التعلمات
1. تعزيز التعلم بالمشروع
تشجع المسابقة منهجية تعلم قائمة على:
التخطيط
الإنجاز
التقويم
2. إدماج التكنولوجيا
تشكل قيمة مضافة في تطوير كفايات المتعلمين الرقمية والعملية.
3. دعم التميز العلمي
تمثل فضاء لاكتشاف المواهب وتعزيزها.
4. تقوية كفايات الحياة
تدعم مهارات:
القيادة
المبادرة
التفكير الإبداعي
خاتمة
تشكل مسابقة الروبوتات التربوية بالسلك الثانوي الإعدادي مبادرة استراتيجية تساهم في تعزيز دور التكنولوجيا في التعليم، وتمنح المتعلم المغربي فرصة الانفتاح على مستقبل مهني وعلمي متطور. كما تساعد في تجويد التعلمات عبر تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسات تطبيقية مبتكرة. وبذلك تُعد هذه المبادرة رافعة أساسية نحو بناء مدرسة مغربية حديثة تُواكب التحولات العالمية وتؤهل المتعلم لمهن المستقبل.

