دعم أدوار ومهام أطر الإدارة التربوية بمؤسسات التربية والتعليم العمومي

مقدمة

تشكل الإدارة التربوية إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها المنظومة التعليمية، باعتبارها حلقة الوصل بين السياسات العمومية في مجال التربية والتكوين وبين الممارسة اليومية داخل المؤسسات التعليمية. وفي هذا السياق، تكتسي المذكرة الوزارية الصادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بشأن دعم أدوار ومهام أطر الإدارة التربوية بمؤسسات التربية والتعليم العمومي أهمية خاصة، لما تحمله من توجيهات استراتيجية وتنظيمية تهدف إلى الارتقاء بجودة التدبير التربوي والإداري والمالي، وتعزيز حكامة المؤسسات التعليمية، وتحقيق أهداف خارطة الطريق 2022-2026.

ويهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة شاملة ومفصلة لمضامين هذه المذكرة، مع تحليل مرجعياتها القانونية، واستجلاء أبعادها التنظيمية والتربوية، وتسليط الضوء على الرهانات المنتظرة من تنزيلها على أرض الواقع، في أفق بناء مدرسة عمومية ذات جودة، جاذبة، ومنصفة.

أولًا: الإطار العام والمرجعيات القانونية للمذكرة

1. السياق العام لإصدار المذكرة

جاءت هذه المذكرة في سياق وطني يتسم بتعاظم الرهانات المرتبطة بإصلاح منظومة التربية والتكوين، وبالسعي إلى تجاوز اختلالات التدبير الإداري والتربوي التي تعاني منها بعض المؤسسات التعليمية. كما تندرج في إطار تنزيل التوجهات الكبرى للدولة في مجال اللامركزية واللاتمركز الإداري، وجعل المؤسسة التعليمية فضاءً مستقلاً نسبيًا في اتخاذ القرار التربوي، في حدود القوانين والأنظمة الجاري بها العمل.

2. المرجعيات القانونية والتنظيمية

استندت المذكرة إلى مجموعة من النصوص القانونية والتنظيمية، من أبرزها:

  • القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، الذي أكد على مركزية المؤسسة التعليمية، وعلى دور الإدارة التربوية في قيادة التغيير وتحقيق الجودة.

  • المرسوم رقم 2.02.376 الصادر في 17 يوليوز 2002 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، كما تم تعديله وتتميمه.

  • المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024، المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بموظفي الوزارة المكلفة بالتربية الوطنية.

وتبرز هذه المرجعيات القانونية أن المذكرة لا تشكل مجرد توجيه إداري ظرفي، بل تندرج ضمن رؤية إصلاحية شاملة تستند إلى نصوص تشريعية وتنظيمية ملزمة.

ثانيًا: الإدارة التربوية ودورها المحوري في المنظومة التعليمية

1. مفهوم الإدارة التربوية

يقصد بالإدارة التربوية مجموع الأطر الإدارية التي تتولى مهام التسيير والتدبير داخل المؤسسات التعليمية، وتشمل المديرين، والنظار، والحراس العامين، وغيرهم من المسؤولين الذين يسهرون على حسن سير العملية التعليمية التعلمية.

ولا يقتصر دور الإدارة التربوية على الجوانب الإدارية الصرفة، بل يمتد ليشمل القيادة التربوية، والتأطير البيداغوجي، وتدبير الموارد البشرية، وضمان الأمن المدرسي، وبناء علاقات التعاون مع مختلف الشركاء.

2. الإدارة التربوية كفاعل أساسي في تحقيق الجودة

أكدت المذكرة على أن الإدارة التربوية تعتبر فاعلًا أساسيًا في إنجاح الإصلاح التربوي، بحكم قربها من الميدان، وقدرتها على تشخيص الإشكالات الحقيقية التي تعاني منها المؤسسات التعليمية، واقتراح الحلول العملية الكفيلة بتجاوزها.

ومن هذا المنطلق، شددت المذكرة على ضرورة دعم أدوار أطر الإدارة التربوية، وتمكينهم من الوسائل الضرورية للقيام بمهامهم في أفضل الظروف.

ثالثًا: دعم وتعزيز التدبير التربوي والإداري والمالي للمؤسسة التعليمية

1. أدوار الإدارة التربوية في التدبير الشامل

نصت المذكرة على أن أطر الإدارة التربوية تضطلع بأدوار محورية في:

  • تحسين جودة الخدمات التربوية والإدارية.

  • ضمان السير العادي للدراسة والتعليم.

  • توفير شروط الصحة والسلامة داخل المؤسسة.

  • الإشراف على المشاريع التربوية وتتبع تنفيذها.

  • تنسيق العمل داخل فريق تربوي منسجم قائم على التعاون والتكامل.

ويبرز هذا التصور الشمولي أن الإدارة التربوية لم تعد مجرد جهاز تنفيذي، بل أصبحت قيادة تربوية مسؤولة عن توجيه الفعل التربوي داخل المؤسسة.

2. المسؤولية الإدارية والمالية

حمّلت المذكرة المدير مسؤولية التدبير التربوي والإداري والمالي للمؤسسة، باعتباره قائد فريق العمل، والمسؤول الأول عن حسن استثمار الموارد المتاحة، وضمان الشفافية والنجاعة في التدبير المالي.

كما أكدت على ضرورة إشراك مختلف المتدخلين في اتخاذ القرار، في إطار احترام الاختصاصات والصلاحيات المخولة قانونًا لكل فاعل.

رابعًا: تنظيم العمل وتوفير شروط ومستلزَمات النجاح

1. مسؤولية المديريات والمديرين

انطلاقًا من مسؤولية المديريات الإقليمية ومديري المؤسسات التعليمية، شددت المذكرة على ضرورة الحرص على السير العادي للإدارة التربوية، وفقًا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

ويتطلب ذلك اتخاذ مجموعة من التدابير التنظيمية التي تضمن:

  • وضوح المهام والمسؤوليات.

  • تمكين أطر الإدارة التربوية من الاضطلاع بمهامهم على أحسن وجه.

  • توفير بيئة عمل محفزة ومستقرة.

2. تمكين أطر الإدارة التربوية من السكن الوظيفي

أولت المذكرة أهمية خاصة لمسألة السكن الوظيفي، باعتباره عنصرًا أساسيًا في استقرار أطر الإدارة التربوية، حيث دعت إلى:

  • تمتيع جميع أطر الإدارة التربوية بالسكن الوظيفي المخصص لهم، وفقًا لما ينص عليه القانون.

  • اتخاذ الإجراءات اللازمة لصيانة هذه المساكن وجعلها صالحة للسكن.

  • تفعيل مسطرة إفراغ السكن الوظيفي والمعالجة التقنية عند التسليم والتسلم، مع مباشرة الصيانة المطلوبة عند الاقتضاء.

ويعكس هذا التوجه إدراك الوزارة لأهمية الاستقرار الاجتماعي والمهني في تحسين أداء الإدارة التربوية.

خامسًا: توفير الوسائل والإمكانيات الضرورية للإدارة التربوية

1. الوسائل اللوجستيكية والتنظيمية

أكدت المذكرة على ضرورة توفير وسائل العمل الأساسية للإدارة التربوية، بما يضمن حسن تدبير المؤسسات التعليمية، وتفادي تحميل المديرين أعباء إضافية خارجة عن اختصاصاتهم.

ويشمل ذلك:

  • توفير التجهيزات الإدارية الضرورية.

  • تحسين ظروف العمل داخل المكاتب الإدارية.

  • دعم الإدارة التربوية بالموارد البشرية الكافية.

2. مواكبة المستجدات التربوية

شددت المذكرة على أهمية تمكين مكونات الإدارة التربوية من مواكبة كافة المستجدات التربوية والتنظيمية، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها المنظومة التعليمية، سواء على مستوى المناهج، أو طرق التدبير، أو آليات التقييم.

سادسًا: التنسيق المؤسساتي وتعزيز أدوار الفاعلين

1. إشراك مختلف المتدخلين

دعت المذكرة إلى إشراك المديرين وباقي مكونات الإدارة التربوية في جميع القضايا المتعلقة بالارتقاء بالمؤسسات التعليمية، بما يعزز روح المسؤولية الجماعية، ويكرس مبدأ الحكامة التشاركية.

2. تحسين ظروف العمل والتنقل

كما أكدت على أهمية تحسين ظروف اشتغال أطر الإدارة التربوية، سواء على مستوى المؤسسات التعليمية أو على مستوى المديريات الإقليمية والأكاديميات الجهوية، بما يمكنهم من القيام بمهامهم في ظروف ملائمة.

سابعًا: أبعاد المذكرة في ضوء خارطة الطريق 2022-2026

تنسجم مضامين هذه المذكرة بشكل واضح مع أهداف خارطة الطريق 2022-2026، التي تروم:

  • إرساء مدرسة عمومية ذات جودة.

  • تعزيز جاذبية المدرسة المغربية.

  • الرفع من نجاعة التدبير التربوي والإداري.

  • دعم القيادة التربوية داخل المؤسسات التعليمية.

ويظهر أن دعم أطر الإدارة التربوية يشكل مدخلًا أساسيًا لتحقيق هذه الأهداف، باعتبارهم العمود الفقري للتنزيل الميداني للإصلاح.

خاتمة

في ضوء ما سبق، يتضح أن المذكرة الوزارية المتعلقة بدعم أدوار ومهام أطر الإدارة التربوية تشكل محطة مفصلية في مسار إصلاح منظومة التربية والتعليم العمومي بالمغرب. فهي لا تكتفي بتشخيص الإكراهات، بل تقدم توجيهات عملية وتنظيمية تهدف إلى تمكين الإدارة التربوية من أداء مهامها في ظروف مهنية ملائمة، قائمة على الاستقرار، والدعم، والمواكبة.

ويبقى الرهان الحقيقي رهينًا بمدى الالتزام الفعلي بتنزيل مضامين هذه المذكرة على أرض الواقع، وبقدرة مختلف الفاعلين التربويين والإداريين على الانخراط الإيجابي في هذا الورش الإصلاحي، خدمةً للمدرسة العمومية، وضمانًا لحق المتعلمين في تعليم جيد ومنصف.

لمعاينة البلاغ كاملا يمكنك تحميل الملف أسفله: